آخر تحديث:19:42(بيروت)
السبت 23/01/2021
share

العراق..دورة عنف تفاوضية

حسن فحص | السبت 23/01/2021
شارك المقال :

تعددت قراءات مشهد التفجير المزدوج الانتحاري الذي وقع في ساحة الطيران بالعاصمة العراقية بغداد قبل ايام، فذهب البعض من المحسوبين على المحور الايراني لتوجيه الاتهام الى بعض الدول العربية، خاصة السعودية بالسعي الى تفجير الساحة العراقية واستعادة دورة العنف السابقة، في حين ذهبت القوى العلمانية او المحسوبة على المحور الغربي والعربي اتهام ايران وسعيها لاعادة توظيف الساحة العراقية كمنصة لتوجيه رسائل في صراعها مع الادارة الامريكية والمحور المحسوب على واشنطن. 

بغض النظر عن التبسيط العراقي في التعاطي مع هذا التطور الامني وتحويله الى مادة للصراع الداخلي بين القوى والاحزاب على مختلف انتماءاتها واهوائها من جهة، وبين قوى المقاومة او المحسوبة على المحور الايراني مع الحكومة وتوجيه الاتهام لها بتبني خيار صدامي معها من ابرز معطياته لجوء رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي الى اقالة قائد خلية الصقور الاستخباراتية "ابو علي البصري" من منصبه وتعيين النائب حميد الكلابي المقرب منه بديلا عن البصري وما يحمله ذلك من دلالات بمساعي الكاظمي للسيطرة على المفاصل الامنية والعسكرية واستبعاد كل القيادات القريبة من هذه القوى ومؤسسة الحشد الشعبي وبالتالي ايران. 

تفجير بغداد الانتحاري الذي جاء بعد 18 شهرا من غياب العمليات الامنية داخل المدن العراقية، وتنبي تنظيم داعش له، يحمل على الاعتقاد بان المظلة السياسية التي ابعدت العراق عن دائرة الاستهداف الامني بدأت بالانحسار، وان ذهاب الحكومة العراقية واجهزتها الامنية لتبني الرواية الداعشية بالمسؤولية قد يكون من باب تسهيل المهمة وتقليل المسؤولية عن التراخي الامني الذي اصاب الجهوزية الامنية لهذه الاجهزة في التعامل مع هذا الخطر الكامن، واستسهال قراءة الاثار المترتبة او المتوقعة للمتغيرات الدولية خاصة مع تولي الادارة الامريكية الجديدة لمسوؤلياتها وما يمكن ان يرافقها من تحول في منهجية التعامل الامريكي مع ملفات المنطقة، التي اكتفت بخطوات شكلية تصب في اطار تعزيز قبضتها على المفاصل السلطة من دون الاخذ بالاعتبار امكانية ان تؤدي هذه الخطوات الى  تأزيم الوضع الداخلي وبالتالي تسهيل عملية استغلال الثغرات الناتجة عن ذلك من قبل الجهات المتربصة للعودة الى ارباك المشهد العراقي وتفجيره واعادة دورة العنف من جديد.

في قراءة لما شهدته بغداد، قد يكون النظام الايراني من اكثر الاطراف المتضررة من مؤشرات انزلاق بغداد الى دوامة العنف الجديدة، ولعل ما صدر عن وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف باتهام اسرائيل بالعبث بالساحة العراقية محاولة ايرانية لتأطير الاحداث في السياق الذي ينسجم مع التطورات المنتظرة مع ادارة الرئيس جو بايدن. فالارتياح الذي ابدته طهران جراء التغيير في الادارة الامريكية وخروج الرئيس دونالد ترمب، وامكانية البناء على الايجابية النسبية التي صدرت وتصدر عن الادارة الجديدة حول رؤيتها للتعامل مع الازمة الايرانية، فضلا عن طبيعة فريق الادارة الخارجية والامنية التي ركبها بايدن في وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات المركزية ومستشارية الامن القومي والمبعوث الخاص للازمة الايرانية وترى فيها طهران مدخلا ونوايا ورغبة جدية امريكية للتوصل الى تفاهمات تساعد على تخفيف التوتر وتضع الامور بين الطرفين على سكة الحل الجدي في المرحلة المقبلة. 

في المقابل، تعتقد طهران ان الخاصرة الاضعف والنافذة التي يمكن ان تشكل خرقا لمعادلاتها الاقليمية هي الساحة العراقية، وان المخاوف الاسرائيلية من اي تفاهمات ايرانية امريكية ستعزز هذا النفوذ وتحوله الى حقيقة قائمة في وجه كل المساعي التي تبذلها من اجل تطويقه، ما يدفعها لتحويل الساحة العراقية الى صندوق بريد ترمي به رسائل قلقها وقلق لاعبين اخرين لايصال رسالة الى الادارة الامريكية من اي ليونة مع النظام الايراني قد تكون على حساب دورها ودور قوى اقليمية اخرى ترى في تفكيك دائرة الحصار ضد ايران استهدافا لمصالحها وتغييرا في المعادلات التي سيطرت على مدى السنوات الاربع في عهد الرئيس السابق ترمب. وما يعزز هذه المخاوف الايرانية تراجع الثقة باداء الحكومة العراقية ورئيسها الذي وان جاء نتيجة توافق وموافقة القوى المحسوبة على محورها وبمباركة منها، الا انه تعامل مع الايجابية الايرانية في تسهيل وصوله كلحظة ضعف سُمح لبعض الاطراف باستخدامها واستغلالها لاضعاف الوجود والدور الايراني في العراق وتحميله مسؤولية السلبيات التي تسيطر على اداء القوى والاحزاب المحسوبة عليه.

الاتهام الايراني لاسرائيل بالوقوف وراء عودة التفجيرات الى الساحة العراقية يأتي من اعتقاد طهران بان رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو لا يشعر بالارتياح لامكانية الحوار بين واشنطن وطهران، وان الامور على هذا المسار بدأت تأخذ طابعا جديا قد تعرقل مشاريعه الاقليمية، خصوصا في ظل المبادرة القطرية المزدوجة التي ليست موسكو بعيدة عنها، وتسعى للمساعدة في فتح قناة تواصل بين ايران وامريكا، وقناة اخرى لحوار خليجي ايراني يساعد على تخفيف التوتر ويؤسس لمرحلة جديدة من التفاهم على بناء منطقة مستقرة بالتفاهم والتشارك بين جميع الدول المطلة على الخليج والتي تلقفتها طهران بايجابية عالية. المدخل لاحداث خلل في هذين المسارين هو الساحة العراقية في ظل صعوبة احداث خرق على الساحات الاخرى، خصوصا في سوريا لارتباط المعادلة على هذه الساحة بالتوازنات الدولية المتداخلة بين موسكو وانقرة وواشنطن وبعض العواصم العربية، في وقت استطاع حزب الله حليف ايران على الساحة اللبنانية الامساك بالمعادلة السياسية والعسكرية مبتعداً عن الاستجابة لاي استفزاز اسرائيلي يحاول جره الى فتح جبهة يعتبرها هذا المحور انها تصب في صالح التوقيت الاسرائيلي. 

فهل سيدخل العراق دورة عنف جديدة ويتحول مرة اخرى الى ساحة لتصفية الحسابات وتحسين شروط المتنافسين الاقليميين، خاصة وان اللاعب التركي لم يتردد في التعبير عن نواياه بالدخول بقوة الى هذه الساحة من بوابة معركته المفتوحة مع الجماعات الكردية خاصة حزب العمال الكردستاني PKK، وبالتالي فشل كل محاولات تحييده عن هذه الصراعات؟ 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها