آخر تحديث:06:25(بيروت)
الأربعاء 20/01/2021
share

جريمة "الكيكة الجنسية"

شادي لويس | الأربعاء 20/01/2021
شارك المقال :
جريمة "الكيكة الجنسية"
مقطع فيديو لمجموعة من السيدات يحتفلن بعيد ميلاد في نادي الجزيرة بالقاهرة، يستنفر أجهزة الدولة. حلوى الحفلة، المصنوعة على شكل أعضاء جنسية، تثير حفيظة البعض في السوشال ميديا كالعادة، ويصل الأمر سريعاً إلى وسائل الإعلام المتعطشة لإثارة خفيفة ومأمونة العواقب. وبحسب الترتيب الطبيعي للأمور، النادي البرجوازي العريق يعلن عن تحقيق مع أعضائه المتورطات، وزارة الشباب والرياضة تشكل لجنة للتحقيق مع تهديد بعقوبات شديدة، والنيابة العامة تصدر أمراً بالضبط والإحضار. 

سيدات نادي الجزيرة المحتفلات ينتمين إلى طبقة لا يحبذ استهدافها، طبقة تتمتع بمساحة مريحة من الحريات الخاصة وتحتكرها. فيتحول البحث الجنائي إلى صانعة الكيكة، "الشيف" المنتمية إلى طبقة أدنى هي بلا شك ضحية سهلة. المسافات الطبقية تعني فوارق في المداخيل والخدمات، وتعني أيضاً تفاوتاً شاسعاً في الأكواد الأخلاقية التي تطبقها الدولة، فمزحة الهوانم تدفع ثمنها الخبازة. تنشر جريدة "الشروق" مع خبر القبض عليها، صورة لموكب من سيارات الشرطة، ورجال مسلحين بزيهم الرسمي معلقين في مؤخراتها، لا يبدو واضحاً إن كانت الصورة تحمل سخرية مضمرة أم أن منسق الصفحة وضع أول الصورة صادفته.

تنقل الجرائد النص المعتاد، فالمقبوض عليها تنهار بالبكاء عند بدء التحقيق معها، لم تتصور أن تزيين كيكة على سبيل المزحة سيقودها إلى سرايا النيابة. سلسلة من الاتهامات كانت في انتظارها، إذ لا يتعلق الأمر فقط بمبادئ الأسرة المصرية وخدش الحياء العام، بل أيضاً ممارسة نشاط تجاري من دون ترخيص، وهذه ليست تهمة واحدة، بل نصف دزينة على الأقل من المخالفات، مع التأمينات والضرائب، والصحة، والتموين والحي. الدولة تصنع من مجرمة الكيكة عبرة للخوف، وتعيد تأكيد رسالتها المكررة، الجميع مجرمون لسبب أو لآخر، كل مواطن هو مشروع سجين، احتمال الإدانة أكيد ومعمم ودائم للكل. يكفي المرء أن يلفت الانتباه، أن يضعه حظه العثر في المكان أو التوقيت الخطأ، أو أن تقود سلسلة من العلاقات العرضية إليه، كونه الأضعف بين حلقاتها.

"محاكمة" كافكا ليست رواية رمزية، غرائبيتها تقف باهتة مقارنة بسجلات النيابة العامة، نصوص الأخبار تبدو كفصول هزيلة من مسرح العبث، لكنها ليست كذلك، الكابوس اليومي في مصر لا ينتهي، ولا يمكن الاعتياد عليه. "بانوبتيكون" بينتام، أضحى فكرة ساذجة، لا أحد يحتاج لتصميم السجن الأسطواني في منتصف برج المراقبة، ولا أن يشعر كل سجين بأنه مراقب أو ربما يكون مراقباً من حارس البرج الوحيد. في مجتمع تقسمه جدران زجاجية، كل شيء مكشوف بلا مشقة أو حاجة للتلصص، وظيفة المراقبة تصبح هامشية حين يسعى الجمهور للظهور، بوضع حياته أو حياة الآخرين في المشاع. لا يسعى رجال الأمن وراء فرائسهم، بالكاد يبحثون عن شيء، في هدوء يجلسون وراء الشاشات، في الانتظار، الجمهور الكبير في شبكة الانترنت ينصب الفخاخ بنفسه ولنفسه، دوريات الفحص التطوعي تجوب العالم الرقمي على مدار اليوم، السجناء يراقبون بعضهم البعض، تتولى لوغاريتمات التريند تحفيز الموجات، تكثيف الإثارة وتدويرها، وفي النهاية تتلقف وسائل الإعلام الخيط لتدمغ الأمر بشعار الجدية، سلسلة من المرشحين والمرشحات تنتهي بتقديم الضحية الجديدة لأجهزة الأمن.

فيما يقتل الوباء المئات في مصر يومياً، وتتوارد أخبار تصفية مصنع حلوان للحديد والصلب، ومعه آخر شواهد الحلم الناصري، وتقترب الذكرى العاشرة لثورة يناير المجهضة، جمهور الآداب العامة الشاعر بالعجز الكامل، لا يبحث بالضرورة عن الإثارة. بل يبحث عن دور، عن الجماعية المفقودة، وعن صوت في المجال العام، شعور ولو زائف بالقيمة وبالقدرة على الفعل والتأثير. النظام الواعي لهذا كله، يقدم الفضيلة كمجال وحيد للسياسة، ساحة بديلة لفعل عام، قاصر على الشبكات الافتراضية وبلاغات خدش الحياء. وفي سبيل ذلك، تعرض أجهزته الأمنية استكشاتها الهزلية بشكل دوري، للتسلية وتفريغ الغضب. والضحايا دائماً نساء، ومن الطبقات الأفقر على الأغلب.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب