آخر تحديث:23:45(بيروت)
الأحد 10/01/2021
share

الأحد اللبناني الأسود

ساطع نور الدين | الأحد 10/01/2021
شارك المقال :
الأحد اللبناني الأسود
كان يوماً لبنانياً طويلاً، كئيباً، مخيفاً. كان يوماً للتاريخ، ستحفظه الذاكرة الى الابد، بإعتباره واحداً من أسوأ وأغرب ما مرّ على اللبنانيين عامة، لا سيما سكان بيروت الكبرى، التي عصف بها إعصار كورونا بشدة، وهدَر في سمائها الطيران الحربي الاسرائيلي على إختلاف أنواعه وغاراته.. 

عدا الإختباء، في غرفة أو زاوية، والاختفاء خلف شاشة أو كتاب، لم يكن هناك أمل بالنجاة سوى في أن يكون المسؤولون قد أعدوا العدّة بالفعل لاستيراد اللقاحات وتخزينها وتوزيعها في أقرب وقت وبأسلم طريقة، من دون نصب وإحتيال وفساد، ومن دون التسبب بمفاقمة الكارثة. وهو أمل ضعيف أصلاً، في ضوء الأدلة اليومية على أن لبنان قد يكون من أواخر الدول التي تتسلم اللقاحات وتوزعها، وفي ضوء الاخبار والارقام التي تؤكد ان معظم دول العالم  الطبيعية أنجزت أو تكاد تنجز المرحلة الاولى من حملة تلقيح مواطنيها، وهي تستعد للانتقال الى المرحلة الثانية من ذلك السباق العالمي على الفوز بالجائزة الكبرى، والنصر على الجائحة العظمى. 

الإضافة الجوية الاسرائيلية على ذلك المشهد اللبناني البائس، بدت كأنها إسهام متعمد في تعميق الشعور بالضعف والعجز: لم وربما لن يتمكن لبنان في المستقبل المنظور من توفير وسيلة لردع أو رد هذه الاستباحة الفظة لسمائه، وتلك الاهانة اليومية المتمادية لسيادته، التي لا تتعرض لها حتى الدول التي تبلغها الطائرات الحربية الاسرائيلية، وتستهدفها بين الحين والآخر بغارات جوية تدوم بضع دقائق لا أكثر.. بخلاف الاجواء اللبنانية التي لم يغب عنها الطيران الاسرائيلي طوال ساعات النهار وحتى المساء.

الاذلال والاستفزاز، هما أكبر من التقدير والتحليل الذي سربه إعلام العدو عن أن إسرائيل كانت( ولا تزال) تتوقع  عملية أمنية على حدودها الشمالية، وأرسلت طائراتها للتحليق لساعات طوال في سماء العاصمة اللبنانية بالذات، كإنذار مسبق، يحتمل إصدار الأمر المباشر بشن غارات فورية على أهداف محددة في بيروت وضواحيها. وهو تدبير سيتواصل في الايام والاسابيع المقبلة، طالما ظلت إسرائيل في حالة ترقب لضربة إنتقامية ما، لا سيما في المرحلة الانتقالية الاميركية الحرجة.

هذا الالتقاء، الذي بدا كأنه مجرد صدفة، بين خطر كورونا المتفاقم وبين التهديد الاسرائيلي المتصاعد، جعل يوم الاحد يوماً سوداوياً جديداً، ينذر بأيام مشابهة، قد تصبح معتادة، طالما أنه ليس هناك في الأفق اللبناني، ما يبدد هاتين الجائحتين المميتتين بشكل أو بآخر، اللتين تخيمان على لبنان واللبنانيين، وتفرضان خوفاً لم يسبق له مثيل.

وطأة ذلك الخوف كانت ثقيلة، الى حد أنها عطلت التفكير في الشأن السياسي والانهيار الاقتصادي: هل كان هناك من مجال للاكتراث بالشأن السياسي الذي إختصره موقف حادّ ومفاجىء صدر قبل يومين عن الامين العام لحزب الله حسن نصر الله من الجيش اللبناني ومسؤوليته عن تعثر التحقيق في إنفجار المرفأ، وموقف أكثر حدّة صدر بالامس عن صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل، بسحب "الثقة" من رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، وتأجيل أزمة الفراغ الحكومي الى أجل غير مسمى.

الموقفان زادا الاحساس بالضعف، والضياع. لا مخرج من الرجلين، او الثلاثة، ولا مخرج معهم. ولا ثقة بأي منهم، ولا بقدرتهم على المساهمة في تخفيف آثار الجائحتين الحاليتين.. اللتين كان تحولهما الى خطر يتزايد يوماً بعد يوم، بسبب مواقفهم وإدارتهم التي تفقد لبنان ما تبقى له من حصانة ومناعة صحية وأمنية ومعيشية، وتحول اللبنانيين جميعاً الى قطيع يسير بلا توقف نحو الذبح.

كان الثلاثة يبثون الخوف ويقتلون الأمل، مثلما كان الاسرائيليون ينشرون التهديد، ويغلقون السماء.

ماذا بعد؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها