آخر تحديث:08:01(بيروت)
الأربعاء 09/09/2020
share

التحضر العشوائي: إنذار أخير

شادي لويس | الأربعاء 09/09/2020
شارك المقال :
التحضر العشوائي: إنذار أخير هدم مقابر أثرية في القاهرة، وتشريد أحياء يقطنونها، من أجل طريق سريع مثير للجدل (غيتي)

صنف درامي مستقل خلقته الشاشة المصرية لتناول أزمة السكن، ما بين مسلسلات التلفزيون وأفلام السينما، أضحت الشقة المستحيلة محور تراجيديات وكوميديا الحياة الحضَرية، عقدة تلاقي علاقات الحب المحبطة، ومسارات الحراك الطبقي وحركات الهجرة بأشكالها في الداخل وإلى الخارج.

منذ نهاية السبعينات أضحت تيمة السكن تعبيراً عن أزمة وصلت إلى ذروتها. التحولات الاجتماعية الضخمة، من ارتفاع معدلات الزيادة السكانية بفضل التحسن الهائل في خدمات الرعاية الصحية، إلى عشرات الآلاف من الخريجين الجامعيين كل عام والراغبين في الانتقال إلى الحضر للحاق بالطبقة الوسطى، كل هذا خلق طلباً لم تستطع الحكومات المتعاقبة التصدي له. فالدولة التي كانت تدعم الطعام والمحروقات والتعليم والصحة، بدرجات متفاوتة، تركت قطاع الإسكان في يد القطاع الخاص، باستثناء مشروعات التجمعات العمرانية الجديدة والإسكان "الشعبي" التي لم تغطِّ سوى نسبة ضئيلة من الطلب الهائل، وظلت في بعض الأحيان، ولعقود طويلة، خالية من السكان لغياب الخدمات والمرافق.

في كتابها "التحضر العشوائي" (2009) تضع جليلة القاضي، النمو العمراني غير المقنن في الحضر المصري، في سياقه. فبعيداً من فرضيات ترييف الحضر الساذجة والمتعالية، أو اختزال الظاهرة في الفساد الإداري، فسّرت القاضي نمو العشوائيات وتمددها كسياسة واعية من النظام السياسي. فالدولة العاجزة عن تقديم البدائل، سمحت للأهالي باختلاق حلولهم الخاصة كيفما اتفق. التصالح مع التعدي على أراضي الدولة، البناء من دون ترخيص وسرقة التيار الكهربائي وغيرها من التجاوزات، كانت رشوة حكومية مقننة وصمام أمان اجتماعي، كما كانت حافزاً لدورة رأسمال توجهت نسبة كبيرة من فوائضه إلى قطاع التشييد منخفض التكاليف.

المساحة الرمادية على حدود القانون، حيث نمت العشوائيات، كانت مجالاً للمقايضة والتفاوض في علاقة ثلاثية بين الدولة وممثليها والأهالي، وساهم ذلك في تحويل قطاع الإدارة المحلية إلى أكثر المؤسسات فساداً، وبالتالي بناء شبكات واسعة ومعقدة للولاء السياسي وتوزيع حصص مكافآته. تمددت العشوائيات، وتدريجياً توسعت أحزمتها حول المدن حتى ابتلعتها بالكامل، ومع الوقت، راحت الشرائح العليا للطبقات الوسطى وما فوقها، تهجرها إلى تجمعات بعيدة ومعزولة قدر الإمكان، في عمق الصحراء. وهي السياسة نفسها التي يتبعها النظام الحالي، بنقل مركز الإدارة السياسية إلى عاصمة جديدة، بعيدة ومحصنة.

استيقظ سكان القاهرة، قبل يومين، ليجدوا ملصقات صفراء على واجهات المباني، تحمل عنوان "الإنذار الأخير" وممهورة بتوقيع إدارات الأحياء. فخلال مهلة منحتها الدولة لمالكي وسكان العقارات المخالفة للقانون، تنتهي آخر أيلول/سبتمبر الجاري، يحذر الإنذار من أن التخلف عن التصالح مع الإدارة المحلية ودفع قيمة الغرامات سيعني إزالة المخالفات، أو بمعني آخر هدم العقارات أو أجزاء منها. يأتي الإنذار كحلقة أخيرة من سلسلة من الإجراءات التي اتخذها النظام الحالي في مجال التخطيط العمراني، بداية من حملات لإزالة العقارات المخالفة بدعم من الأجهزة الأمنية وأحياناً في حضور القوات المسلحة، والتعليق المؤقت لتصاريح البناء، وتمرير عدد من القوانين المعنية بتقنين وضعية المباني المخالفة، وصولاً إلى الامتناع عن توثيق عقود الملكية للمباني من دون ترخيص (وهو ما كان يتم في الماضي).

المهمة التي يتصدى لها النظام تبدو مستحيلة، فحصر وتقنين مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين، من الوحدات السكنية، وإجبار سكانها على التصالح تحت طائلة الإزالة، سيعنى مواجهة اجتماعية عنيفة وواسعة وطويلة الأمد، وغير مأمونة العواقب. يرى البعض في الأمر مجرد جباية جديدة لصالح خزينة الدولة، لا أكثر، من دون أن يعني هذا تغيراً جذرياً في السياسات الحكومية تجاه "التحضر العشوائي". الطبقات الوسطى التي كانت راضية في البداية عن إزالة العشوائيات، أدركت فجأة إنها مستهدفة بالقدر نفسه، والأسوأ وجدت أنها داخل نطاق "العشوائي" أيضاً.

وفي ظل انتشار وبائي عالمي وتراجع اقتصادي لا يمكن التنبؤ بتبعاته وحالة عامة من القلق، يبدو توقيت الإنذار مفتقداً للحد الأدنى من الكياسة السياسية. لكن النظام الحالي غير معني بالكياسة، ولا بإيجاد حلول لأزمة السكن، ولو عشوائية، كسابقيه، ولا يُتهم حتى ببناء شبكات ولاء واسعة أو بتقديم الرشاوى الاجتماعية، فهو يعتمد حصراً على قبضة الأمن، وهذا كل شيء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها