آخر تحديث:08:34(بيروت)
الأحد 06/09/2020
share

مساحات التعاون الايراني الفرنسي

حسن فحص | الأحد 06/09/2020
شارك المقال :

الاندفاعة الفرنسية المستجدة والناشطة باتجاه ملفات الشرق الاوسط، لا يمكن حصرها باستجابة انسانية للحدث الفاجعة الذي ضرب العاصمة اللبنانية بيروت بعد انفجار مرفئها في الرابع من شهر آب/ اغسطس 2020، ولا يمكن وضعها ايضا في اطار الحرص الفرنسي على انقاض الصيغة اللبنانية من الانهيار بعد الانسداد السياسي الذي وصلته في الاشهر الاخيرة، وايضا من غير المنطقي ان تكون هذه الاندفاعة نتيجة لمعرفة الادارة الفرنسية حجم التحديات والمصاعب الاقتصادية ووصول الوضع المالي الى حافة الانهيار والوضع الاجتماعي الى عتبة الاتفجار بشكل يتجاوز ما حاولت بعض القوى السياسية وتلك التي تمثل المجتمع المدني الايحاء به عبر تحركاتها في الشارع او ما عرف بتحرك ومظاهرات 17 تشرين. فكل هذه العوامل لم تكن خافية على الادارة الفرنسية ومن ورائها كل دوائر القرار الغربية وتحديدا الامريكية الشريكة الاساس في محاولة رسم معالم جديدة لمنطقة الشرق الاوسط، ومع ذلك فانها لم تحرك ساكنا بشكل حقيقي ما قبل الانفجار الكارثي الذي حل ببيروت ودفعها لرفع الصوت والتحذير من مغبة انهيار البلد او دخوله في حرب اهلية مدمرة. 

لا شك ان الدخول الفرنسي على الازمة اللبنانية جاء بعد انكفاء طويل عنها تاركا الامر "للماريونسيت" الامريكي الذي طالما امسك بخيوط اللعبة وتحكم بادارة الصراع والساحة اللبنانية منفردا في العقود الاخيرة، ما يجعل الاعتقاد الايراني قريبا الى الواقعية في التعامل مع المغير الفرنسي الناشط، وانه جاء نتيجة لتفاهم على تقسيم الادوار بين باريس وواشنطن، خصوصا وان الاخيرة عملت في السنوات الاخيرة الى اقفال اي امكانية لفتح قناة تواصل مع قوى لبنانية فاعلة وتمسك بالعديد من مفاصل القرار اللبناني. 

الصدمة التي شكلها الانفتاح الفرنسي على الغريم الاول داخليا وامريكيا على الساحة اللبنانية، اي حزب الله، لم يكن نتيجة مبادرة فرنسية بتراء ومن خارج السياقات الدولية التي تلتزم بها فرنسا في التعامل مع الجماعات التي تصنفها واشنطن في دائرة المنظمات الارهابية. اذ يمكن القول انه جاء نتيجة مسار معقد و متشابك من العلاقات والتفاهمات الفرنسية الايرانية في العديد من الملفات الشائكة ومن ضمنها الملفين اللبناني والعراقي، وان ما حصل في بيروت شكل حافزا ومفتاحا لاطلاق المبادرة الفرنسية كجزء من اطار اوسع تتداخل فيه الرغبات الايرانية ومصالحها مع الأهداف الفرنسية ومصالحها الاستراتيجية. 

وعلى الرغم من الزوبعة التي اثارتها كتابات الصحفي الفرنسي جورج مالبرونو حول موقف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من بعض القيادات اللبنانية في حال فشل مهمة السياسية والاقتصادية الانقاذية، الا ان هذه الزوبعة،  لم تصل الى مستوى التشكيك بالانفتاح الفرنسي على حزب الله والعلاقة التشاركية التي من المفترض ان تقوم بين الطرفين في عملية انقاذ لبنان في المرحلة المقبلة حسب ما تسرب من معلومات حول الحوارات الجانبية التي اجراها ماكرون مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد في اللقاءات التي عقدها الاول مع القوى السياسية اللبنانية. 

ويبدو ان العودة الفرنسية على الملفات الاقليمية من البوابة اللبنانية وجدت تعبيرا آخر لها  في الزيارة التي قام بها ماكرون الى العاصمة العراقية بغداد، والتي لا يمكن ان تكون بعيدا عن العين الايرانية الجهة المعنية اكثر من غيرها بما يجري على هذه الساحة وحساسيتها في معركة النفوذ بينها وبين واشنطن، وهي زيارة تأتي بعد الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي الى العاصمة الامريكية واشنطن وما تخللها من تفاهمات واتفاقيات اقتصادية وغير اقتصادية ذات طابع امني وعسكري قد تشكل مصدر قلق لطهران وقيادة النظام التي اعطت الكاظمي فرصة للعب دور متوازن في الصراع بينها وبين واشنطن من دون ان يكون مجبرا على ترجيح كفة اي منهما على حساب مصالح العراق الوطنية والسيادية. 

ويحاول الجانب الفرنسي توظيف التراكم في التعاون الذي مارسه في الاشهر الاخيرة مع طهران في اطار تعزيز المواقف الاستراتيجية في منطقة الشرق الاوسط وحوض البحر الابيض المتوسط، خصوصا في مواجهة الهجوم التركي السياسي والاقتصادي الذي اتسعت مروحته لتشكل تحديا واضحا للمصالح الفرنسية في هذه المنطقة، ان كان في ليبيا وخليج سرت وتأثير ذلك على خطوط انابيب الغاز، او بما تشكله من تحرشات بدول اوروبية مثل اليونان وايطاليا، فضلا عما يشكله ارتفاع وتيرة الدور والحضور التركي على الساحة اللبنانية من تحديات سياسية واقتصادية تطاول بشكل مباشر المصالح الفرنسية ودورها التاريخي في المنطقة. من هنا يمكن فهم مشاركة رئيس اقليم كردستان نيجريفان بارزاني في اللقاء الموسع الذي عقده ماكرون في بغداد بترتيب من الرئيس برهم صالح مع القيادات السياسية العراقية، في حين ان الاقليم كان في المراحل السابقة يشكل اما المحطة الاولى لاي زائر غربي او المحطة النهائية في ختام زيارته لهذا البلد. ما يعني ان ماكرون وضع خريطة طريق يحاول تكريسها لمواجهة الدور التركي الذي بدأ يشكل تحديا حقيقيا له ولدوره في الشرق الاوسط، خصوصا في مناطق تعتبر في دائرة المصالح الفرنسية تاريخيا ان كان في لبنان او في سوريا او في مناطق شمال العراق ومحافظة نينوى منذ الترسيم الذي قامت عليه التقسيمات السياسية في اتفاقية سايكس – بيكو للتقسيم، وان المطلوب من العراق ان يكون جزءا من خريطة المواجهة هذه الى جانب حزب الله المؤثر على الساحتين اللبنانية والسورية، من اجل مواجهة ما تحاول انقرة بقيادة رجب طيب اردوغان تكريسه من دور على حساب الاخرين في اطار بناء امبراطوريتها السياسية الجديدة او المستجدة. وهي خريطة وان كانت تبدو في شكلها العام تصب في غير صالح العلاقات والتعاون الايراني التركي، الا انها في النهاية تخدم المصالح الايرانية الفرنسية المشتركة في المنطقة، فضلا عما يشكله من خدمة للمصالح الروسية التي ستتخلص من عبء الدور التركي الباحث عن حصة سياسية واقتصادية على الساحة السورية. وهو تعاون غير ملزم لايران في حال حاول الفرنسي الانقلاب عليه نتيجة ضغوط امريكية ، في وقت تحاول طهران الابقاء عليه تحت سقف عدم الاضرار بمصالحها وعلاقاتها مع كل الاطراف المعنية في ازمات المنطقة، فضلا عن امكانية استثمار هذه العلاقة التعاونية مع باريس في اطار تخفيف الضغوط الامريكية عليها. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها