آخر تحديث:22:29(بيروت)
السبت 26/09/2020
share

ايران واللعب على التناقضات

حسن فحص | السبت 26/09/2020
شارك المقال :
ايران واللعب على التناقضات Getty©
في الوقت الذي كان المبعوث الخاص لادارة البيت الابيض في الازمة الافغانية السفير زلماي خليل زاد يوجه اتهاما للنظام الايراني بلعب دور مخرب في هذه الازمة وعرقلة الحل السياسي وان "ايران ترغب في ابقائنا بحالة اشتباك من دون انتصار او خسارة وان ندفع ثمنا كبيرا في افغانستان حتى التوصل الى اتفاق بين ايران وامريكا"، لكنه خليل زاد لم يتردد في الدعوة العلنية "لامكانية التفاوض مع ايران جول مستقبل افغانستان وقد قدمت اقتراحا بعقد  لقاء مع الايرانيين حول هذا الموضوع".

في المقابل سارعت الخارجية الايرانية على لسان المساعد الخاص لوزير الخارجية في الشأن الافغاني محمد ابراهيم طاهريان لتأكيد دعمها لانطلاق الحوار بين الحكومة الافغانية وحركة طالبان واستعدادها للمساعدة في دفع مسار السلام الحقيقي والدائم في هذا البلد انطلاقا من ان موقف طهران يؤكد دائما ان الاستقرار في افغانستان جزء دائم ولا يتجزأ من سياسة بلاده في هذا البلد. 

وعلى الرغم من مشاركة ايران في الاجتماع الذي استضافته العاصمة القطرية الدوحة للحوار وتوقيع اتفاق سلام بين الحكومة الافغانية وحركة طالبان، الا ان طهران اعتبرت الاتهامات الامريكية الاخيرة لايران وتحميلها مسؤولية الفشل الحاصل يعود الى "إدراك واشنطن التي نظمت هذا المؤتمر للاخطاء التي ارتكبتها في التمهيد لهذه الخطوة وعملية السلام"

فطهران ودوائر القرار في النظام تعتقد بان المظاهرة التي نظمتها واشنطن في العاصمة القطرية عززت الاعتقاد بامكانية عودة السلام والاستقرار الى افغانستان وان حركة طالبان استطاعت ايصال رسالة واضحة لواشنطن بانها قادرة على ابقاء حالة الحرب قائمة ما لم تحصل على ما تريده من وراء توقيع الاتفاق بينها وبين الجانب الامريكي. 

وتنتقد طهران التشتت والتناقضات في فريق الدولة الافغانية وافتقاره للتجربة السياسية كفريق للتفاوض في مواجهة فريق منسجم وخبير بقيادة مولوي عبدالحكيم من قبل طالبان، يضاف اليه الضغوط الامريكية التي مارستها واشنطن على الاطراف الافغانية للتسريع بعقد هذا المؤتمر لتوفير الغطاء الافغاني الداخلي لتسريع تنفيذ قرار ادارة البيت الابيض بسحب قواتها من هذا البلد قبل الانتخابات الرئاسية. وعلى الرغم من الاجواء الايجابية التي واكبت هذا المؤتمر وامكانية التوصل الى سلام حقيقي بين الاطراف المتصارعة في افغانستان، الا ان التطورات التي رافقت هذا المؤتمر وتلته، تشير الى مسار يضع الطرف الرسمي والحكومي في موقع الخاسر امام حركة طالبان، وان هذا المسار يعني خسارتهم لكل الامتيازات والمواقع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كسبوها في المرحلة السابقة، فضلا عن ادراك الفريق الحكومي الرسمي والمفاوض ان ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترمب تبحث عن انجاز في السياسة الخارجية بعد عجزها عن تحقيق تقدم حقيقي في الازمتين الكورية الشمالية وايران وملفها النووي، تضاف اليها الضغوط الاقتصادية في حربها الاقتصادية مع الصين وثقل المواجهة بينها وبين روسيا. وهذه الادارة (ترمب) على استعداد لتقديم هدايا سياسية لحركة طالبان طالما لم تحسم بعد نتائج الانتخابات الرئاسية لان المرحلة التالية للانتخابات بغض النظر عن الشخص الذي سيتولى ادارة البيت الابيض لن تكون في صالح طالبان وسيضع حدا لسياسة الابتزاز التي تمارسها من اجل الحصول على مكاسب. وهو ما يفسر حسب اعتقاد الدوائر الايرانية موافقة طالبان على الجلوس مع ممثلين عن الحكومة الافغانية على طاولة المفاوضات بعد ان كانت رافضة لهذا الامر في السابق او حتى الاعتراف بهم كجهة يمكن التفاوض معها، كما حدث في المفاوضات التي جرت قبل اشهر بين هذه الحركة والجانب الامريكي بعيدا عن اي مشاركة لممثلين عن الحكومة، وهو الامر الذي اثار اعتراض طهران التي تتمسك بضرورة ان تكون هذه المفاوضات افغانية – افغانية لضمان وصولها الى الاهداف المرجوة منها. لذلك فان الحكومة الافغانية عمدت الى المماطلة في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين واشنطن وطالبان في موضوع اطلاق سراح 400 معتقل من الحركة ولجأت الى اشراك "لويا جركه" في المشاورات حول هذا الموضوع، الامر الذي فرض على طالبان تقديم تنازلات والقبول بعقد مفاوضات مع الحكومة بهدف تسريع عملية اتفاق السلام الذي يمثل حاجة لها وللجانب الامريكي. 

من هنا يأتي الدعم الذي تتمسك به طهران لدور وموقع الحكومة الافغانية في عملية التفاوض من اجل  السلام في هذا البلد، ويلتقي مع مساعي ورغبة جدية لدى هذه الحكومة لتأخير النتائج النهائية لهذه المفاوضات والتوقيع على اتفاق تنفيذي الى ما بعد الانتخابات الامريكية ما يسمح لها ولطهران بالحد من الضغوط الامريكية لتسريع الحل وتوظيف هذا الانجاز في سياق التأثير على نتائج الانتخابات، ما سيسمح للطرفين (الافغاني الرسمي والايراني) بتغيير شروط التفاوض بعد الانتخابات وتحقيق مكاسب اكثر على حساب الشروط التي تضعها طالبان، على الرغم مما في هذا المسار من مخاطر ارتفاع مستوى أعمال العنف والعمليات العسكرية التي قد تلجأ اليها طالبان. 

هذا التمسك الايراني بدعم مواقف الحكومة الافغانية والتأكيد على دورها المحوري في اي عملية سلام في هذا البلد في اطار مفاوضات لا تخضع لشروط وظروف اي طرف خارجي او ضرورات الانتخابات الامريكية، وجد ترجمته في الزيارة الاخيرة التي قام بها وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف الى العاصمة الروسية موسكو والمفاوضات التي اجراها مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، وادراج الموضوع والازمة الافغانية كبند رئيس في جدول اعمال المباحثات التي جرت بينهما، والذي يكشف عن وجود تنسيق واضح بين الطرفين في اطار العلاقة بينهما التي وصفها ظريف بانها بين "شريكين وصديقين استراتيجيين" خصوصا وان لدى الطرفين هواجس من نشاطات بعض الجماعات الافغانية المقاتلة والتي يتجاوز عددها 20 جماعة تعارض الاتفاق مع واشنطن ولا توافق على تفرد طالبان في التحكم بمسار التفاوض ومستقبل افغانستان، بالاضافة الى وجود اجنحة داخل طالبان ترفض هذا المسار التفاوضي ويرحج ان تعلن انشقاقها على قيادتها والانضمام الى واحدة من تلك الجماعات المسلحة، الامر الذي يرفع مخاطر عودة التوتر الامني وارتفاع وتيرة الاعمال العسكرية بشكل غير مطلوب من قبل الادارة الامريكية التي تسعى للخروج من هذا البلد ووضع حد لاطول حرب تخوضها في تاريخها. ما يعني بالتالي ان المواجهة بين طهران وواشنطن مازالت مفتوحة وان طهران تسعى لافشال اي احتمال لانجاز امريكي في السياسة الخارجية وامكانية توظيفه انتخابيا كما فعلت في مجلس الامن في مسألة رفع الحظر عن بيع الاسلحة التقليدية وتفعيل آلية الزناد لعودة العقوبات الدولية واخيرا عرقلة الحل في الازمة اللبنانية وتشكيل الحكومة بناء على المبادرة الفرنسية. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها