آخر تحديث:13:05(بيروت)
الأربعاء 23/09/2020
share

السودان: المقايضة على الاعتراف

شادي لويس | الأربعاء 23/09/2020
شارك المقال :
السودان: المقايضة على الاعتراف فيضان في الخرطوم (أيلول 2020 - غيتي)
التحول الديموقراطي ليس نهاية التاريخ، ولا هو نقطة على مسار حتمي للتقدم إلى الأمام. بل مجرد احتمال بين احتمالات عديدة وكثيرة، تفرضها في الأغلب شبكة علاقات عابرة للحدود، بعض من الصدفة والكثير من التضحيات والضحايا، تأثيرات الدومينو شبه السحرية، وصراع بين أيديولوجيات مهيمنة والقوى الكبرى التي تقف وراءها.

خطة "مارشال" لم تكن فقط خطة لإعادة الإعمار في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، بل كانت مشروعاً لتدعيم الديموقراطية الرأسمالية في مواجهة الفاشية المهزومة والشيوعية الصاعدة. وفي الجانب الآخر، كانت خطة "مولوتوف" السوفياتية تفرض نموذجها للديموقراطية الاشتراكية بأدوات مشابهة. حسم انهيار سور برلين والتداعي السريع لأنظمة الكتلة الشرقية، المواجهة، وأُعلن الانتصار شبه النهائي للديموقراطية في نسختها الغربية. وجاء الحماس التبشيري اللاحق، لتعميم خطاب التحول الديموقراطي حول العالم، بموجات أصغر من "الثورات الملونة"، المطالبة بالديموقراطية، والتي باتت تعني ضمناً القبول بتسيّد الرأسمالية والاعتراف بنظام القطب الواحد للعالم والخضوع الكامل لاشتراطاته.

السودان، البلد الوحيد الذي خرج بمواءمة شبه ديموقراطية من الموجة الاحتجاجية الأخيرة في المنطقة، قبل أكثر من عام، ما زال دولة مارقة بحسب لوائح الولايات المتحدة. سقط نظام البشير الذي استهدفته العقوبات، لكن البيروقراطية السياسية الأميركية، والتوترات بين البيت الأبيض والكونغرس، لم توحِ بأن رفع السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب سيكون وشيكاً. هشاشة التعايش القسري بين العسكريين والمدنيين في الخرطوم، والتشققات في الجبهة المدنية التي بدأت في الظهور مع الوقت، تنذر بانهيار مسار التحول نحو الديموقراطية في أي لحظة. يعاني السودان أزمة اقتصادية عميقة، ورثها من النظام السابق، وتستفحل، وتقف اللائحة الأميركية أمام الاستثمارات والمساعدات من المؤسسات الدولية، بل وتمنع الدعم التقني. لكن مطالبة السودانيين بالديموقراطية تعني، في عيون الإدارة الأميركية، كالعادة، قبولاً بالهزيمة أمامها، والتفاوض على شروط للاستسلام. تجد حكومة حمدوك نفسها مجبرة على القبول بدفع التعويضات لضحايا تفجير السفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا العام 1998، ضمن مقايضة لرفع العقوبات. الشهر الماضي، عرضت الخارجية الأميركية خفض قيمة التعويض، ليصبح 330 مليون دولار، لكن أحداً لا يضمن موقف أعضاء الكونغرس وجماعات الضغط التي تمثل عائلات الضحايا، من هذه الصفقة.

لا تقف المطالبات الأميركية هنا، فتطبيع العلاقات مع إسرائيل أضحى حجر الزاوية في سياسة ترامب في المنطقة. في فبراير، اعترف رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بلقاء له مع نتنياهو في أوغندا، وبعدها سمح للطائرات الإسرائيلية بالتحليق في الأجواء السودانية. لاحقاً، وأثناء زيارة بومبيو للخرطوم، في أغسطس الماضي، صرّح حمدوك، رئيس الوزراء المدني، بأنه ليس من سلطة الحكومة الانتقالية اتخاذ قرار التطبيع مع إسرائيل.

تستغل الإدارة الأميركية حالة التربص بين العسكريين والمدنيين في الخرطوم، لانتزاع اعتراف بوكيلها الاستعماري. اعتراف ربما لا يعني الكثير عملياً، لكن قيمته تكمن في رمزيته. القبول بالهزيمة ليس كافياً، يجب أن يطبّع المهزومون معها، علناً ورسمياً، ويجبرون على الاحتفاء بها. لم تعد الولايات المتحدة تحتاج لتبشير الآخرين بالتحول الديموقراطي، بل تساوم الراغبين فيه أو الماضين على طريقه، وتصل إلى التهديد ضمناً بتخريبه.

يصل وفد سوداني، الإثنين المقبل، إلى أبوظبي، للتفاوض مع مسؤولين أميركيين وإماراتيين على رفع السودان من لائحة الإرهاب. التسريبات والتكهنات تشير مرة أخرى إلى شرط التطبيع الإسرائيلي، وإلى ترحيب العسكريين الراغبين في البقاء في مواقعهم بأي ثمن، وكذلك تلمح إلى رفض المدنيين المتوجسين من ردّ فعل الشارع، مصدر شرعيتهم الوحيد. يبحث ترامب عن نصر دبلوماسي رخيص وفوري، قبل الانتخابات الرئاسية القريبة، ولا يهم إن كان ثمنه تحولاً ديموقراطياً طال انتظاره في السودان وفي المنطقة كلها.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب