آخر تحديث:08:36(بيروت)
الأحد 09/08/2020
share

الانفجار الذي عطل الحرب

حسن فحص | الأحد 09/08/2020
شارك المقال :
الانفجار الذي عطل الحرب

حتى ما قبل الرابع من أغسطس/آب 2020 كانت الاصطفافات قد وصلت الى مستويات غير مسبوقة من التوتر والاستنفار السياسي والعسكري، بحيث وضعت المنطقة على حافة انفجار عسكري واسع وحرب مدمرة كان الهدف منها إعادة إنتاج معادلة التوازنات بين القوى المؤثرة في الإقليم على قواعد وأسس جديدة تخرجه من حالة انعدام المخارج نتيجة ما وصلت اليه الامور من انسداد في الحلول السياسية. 

يمكن توصيف المشهد الذي كان سائدا قبل هذا التاريخ بانه يشهد رقعة الشطرنج التي استنفد فيها اللاعبان كل الخطوات والحركات الممكنة التي تسمح بتحريك البيادق على أنواعها، ولم يعد امام اي منهما سوى اتخاذ القرار بالخطوة التي يدرك كلاهما أنه في حال قام بها ستؤدي ليس فقط الى انهيار كل دفاعاته، بل دفاعات الطرف الاخر، وان التعادل هنا لن يكون مطروحاً، إنما خسارة الطرفين لكل ما خططا له ووضعاه من خطط لتحقيق تقدم أو فوز على الاخر بما يسمح له إعلان انتصاره النسبي. 

فالحرب غير المعلنة التي كانت قائمة وستستمر بين إيران وحلفائها من جهة والولايات المتحدة واسرائيل من جهة اخرى، والتي أخذت شكلا جديدا، ناعما مؤلما في الوقت نفسه، فطهران لم تتردد في توجيه الاتهام لتل ابيب اولا وواشنطن ثانيا بالوقوف وراء ما تتعرض له منشآتها الحيوية من تفجير – عن بعد- في اطار ما تسميه حرباً الكترونية، وصولا الى الاستهدافات المباشرة التي تشهدها الساحة السورية والقواعد العسكرية التي تسيطر عليها قوات حرس الثورة وحزب الله. الا انها مارست من جهتها اعلى درجات ضبط النفس وعدم الانجرار الى المربع الذي تريده تل ابيب وما يعنيه من ضرب المسار الذي اعتمدته في مواجهة الضغوط الامريكية لاجبارها على تقديم تنازلات تطاول الاسس الايديولوجية والعقيدة السياسية والاستراتيجية التي يتبناها النظام. وذهبت الى خيار تعزيز قدراتها الدفاعية عبر رفع مستوى الردع الصاروخي لحليفها النظام السوري وتزويده بمنظومات صاروخية قادرة على تعطيل الذراع الاسرائيلية الجوية التي تستبيح الاجواء السورية وتستهدف مراكز الوجود الايراني والفصائل التابعة له على هذه الساحة. 

في المقابل، كان الحليف اللبناني اكثر حراجة من النظام في طهران، فهو غير قادر على التصرف خارج الوعود التي قطعها في الرد على أي اعتداء يتعرض له ويؤدي الى سقوط خسائر بشرية في صفوفه ويعتبرها خرقا لقواعد الاشتباك التي أرساها مع تل ابيب في السنوات الاخيرة، فلم يكن امامه سوى توظيف هامش المناورة الذي لا يلزم الحليف الايراني بنتائجه مباشرة، للذهاب الى خيار اعتماد رد مدروس ومحدود عاجلا ام اجلا، بحيث يستطيع من خلاله اعادة التأكيد من ناحية على قواعد الاشتباك مع الجانب الاسرائيلي، ومن ناحية اخرى لتوظيفه في اعادة "تصليب" قواعده الشعبية والعسكرية التي بدأت بطرح الكثير من الاسئلة والتساؤلات حول مصداقية وعود قيادته فضلا عن ارتفاع وتيرة الاعتراضات بسبب الازمة الاقتصادية التي نالت منهم بشدة نتيجة الحصار غير المعلن على لبنان بذريعة السلاح الذي يدافعون عنه. 

الانفجار، الزلزال، الفاجعة، الكارثة، لم يسهم فقط في تأجيل الخطاب الذي كان مقررا لامين عام حزب الله في اليوم التالي، بل ايضا فرض تأجيلا واضحا غير ملتبس لقرار الرد على الاستهداف الاسرائيلي لاحد عناصره في سوريا، من دون تعطيله، بانتظار الخروج من ارتدادات ما أصاب لبنان وعاصمته من كارثة، لن تقف ارتداداتها عند الحدود الاقتصادية والانسانية، بل ستؤسس لمرحلة جديدة تعيد انتاج مفهوم الدولة في لبنان ونظام الحكم فيه، قد يكون الانفجار الذي حصل قد قدم خدمة مجانية لقيادة الحزب التي دعت مبكرا ومنذ سنوات للتفكير جديا بعقد مؤتمر تأسيسي يعيد انتاج مفهوم النظام اللبناني، الا ان هذه المرة سيكون الحزب مطالبا أكثر من غيره في تمرير الدعوة الفرنسية التي أطلقها الرئيس ايمانويل ماكرون من قصر الصنوبر الفرنسي في بيروت، على قاعدة توفير الارضية الجدية لمحاربة الفساد السياسي والمالي والاقتصادي الذي ادى الى انهيار المنظومة القائمة. 

من هنا، تبدو قيادة الحزب، بعيدا عن الاتهامات التي توجه للحزب بمسؤوليته عن المواد التي كانت مخزنة في مرفأ بيروت وادت الى هذه الكارثة بعد انفجارها، وبعيدا ايضا عن حجم مشاركته مع القوى السياسية الاخرى في تقاسم الموارد الاقتصادية للبلاد واستخدام مؤسسات الدولة لتأمين مصالح كل طرف على حساب الدولة والمواطن والمجتمع، تبدو هذه القيادة أمام تحدي اعادة ترتيب اولوياتها بين السياسية والعسكرية، وهذه المرة على نصاب اكثر حدة وتحديات اكبر لانها ستؤسس لحجم الدور والتأثير الذي يمكن ان يلعبه الحزب على الساحتين الداخلية والاقليمية، خصوصا في ظل الدعوة الفرنسية لعقد اجتماعي جديد، يحمل رائحة ومؤشرات حول امكانية العودة الى الطرح القديم الذي قدمته الادارة الفرنسية عام 2007 في مؤتمر سانت كلو الذي جمع المعارضة والموالاة اللبنانية وطرح فيه مبدأ الذهاب الى "المثالثة" بدلا عن "المناصفة" التي قام عليها اتفاق الطائف، وهي الصيغة التي رفضها حزب الله كما سبق له ان رفضها في الحوارات التي جرت بين أمينه العام ورئيس الوزراء الأسبق الشهيد رفيق الحريري. 

قد يكون الحزب مجبرا او مضطرا للانحناء امام العاصفة التي اثارتها القوى المعارضة له داخليا، والتي وجدت نفسها في قفض الاتهام لمسؤوليتها عن تداعيات المرحلة التي كانت تتولى فيها السلطة على الرغم من كل الجهود التي بذلتها لحصرها بالحزب وحلفائه اللبنانيين والحكومات التي فرضها او ركبها. والقبول بتمرير كل الجهود السياسية الدولية والداخلية التي تبذل لاخراج لبنان من النفق الذي يمر فيه، مع احتفاظه بالهامش الذي يسمح له بالعودة الى خياره الاول باعادة فرض معادلته السياسية والامنية التي يمسك بزمامها والتي لا يرغب او يتمناها المجتمع الدولي، من خلال تنشيط الذاكرة الجمعية بقواعد الاشتباك مع الاسرائيلي والتي ازاحها مؤقتا لاعطاء الفرصة للحلول السياسية. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها