آخر تحديث:15:26(بيروت)
الأربعاء 05/08/2020
share

"مصر تنهض": تاريخ المحاولة والخطأ

شادي لويس | الأربعاء 05/08/2020
شارك المقال :
"مصر تنهض": تاريخ المحاولة والخطأ التمثال مثير الجدل

يظهر الفنان التشيكلي، أحمد عبد الكريم، في شاشة "سكاي نيوز" ليدافع عن نفسه وعن عمله النحتي "مصر تنهض". فمنشور في صفحته في فايسبوك تضمّن صوراً للعمل (رآه كثيرون قبيحاً) أثار موجة واسعة من السخرية. لجأ عبد الكريم، المدرّس الجامعي الحاصل على دكتوراه في الفنون الجميلة، إلى اتهام الجمهور بالجهل، موضحاً أن تقنية النحت المباشر على الرخام تعتمد على "الحذف"، ثم عاد ليقول إن العمل لم ينته، وإن فيه مشكلات فنية لم تُحلّ بعد، ونفى أن يكون العمل مُعداً لتمثيل مصر في بينالي فينيسيا المقبل كما أشيع. لكن أكثر ما لفت الانتباه في دفاع الفنان، هو محاولته نفي أي علاقة لعمله بتمثال محمود مختار "نهضة مصر"، إحدى العلامات المفتاحية في تاريخ الفن التشكيلي المصري. يذهب عبد الكريم إلى أن تمثاله لا يمثل مصر، بل امرأة تعاني، ومع هذا تنهض من وسط الرخام، وفي هذا تشبه مصر في ظرفها الحالي، والعلاقة بمصر تبدو عرضية هنا.

يبدو حديث الفنان متناقضاً. لكن محاولته لأخذ مسافة بعيداً من "نهضة مصر" تظل مفهومة. فالمقارنة ستكون في غير صالحه في أي حال. فتمثال "نهضة مصر" يحمل قيمة معنوية كرمز لمصر الحديثة، تتجاوز قيمته الفنية. أما مبدعه المثال محمد مختار، فليس رائداً لفن النحت في مصر فقط، بل هو واحد من أربعة يُعتبرون رواداً للفنون التشكيلية فيها إجمالاً. في العام 1928، حضر حفلة إزاحة الستار عن التمثال، آلاف المصريين، وكان معظمهم قد تبرع في الاكتتاب العام لجمع نفقاته. "نهضة مصر" الذي يصور فلاحة منتصبة رافعة الحجاب عن وجهها، ناظرة إلى المستقبل ومستندة على أبي الهول، كان أيقونة للبلد المنتفض ضد الاستعمار والراغب في استعادة أمجاد الماضي، وكذا علامة بارزة في مهمة خلق جماليات وطنية، تستلهم التراث الفرعوني والرومانسية الريفية.

لكن تمثال محمود مختار، لم يحظَ دائماً بإجماع كما يبدو لنا اليوم. فالانتهاء منه قد تعطل ما يقرب من عقد كامل، بسبب المشاحنات السياسية. نصبت الفلاحة كرمز للوطن في "نهضة مصر"، ومع هذا فإن النساء حُرمن من حضور حفلة الافتتاح، بطلب من الملك فؤاد كما يقال. وفي الأيام التالية كان بعض كتّاب الصحف قد عبّروا عن خيبة أملهم والكثير من الحيرة، فمن الذي يرمز لمصر الفلاحة أم أبو الهول؟ وإن كان التمثال يرمز إلى الوحدة الوطنية، الماضي والريف، فأين أبناء المدينة؟ إين طبقة الأفندية التي قادت ثورة الاستقلال؟

في العام 1947، وبعد عقدين فقط من تنصيب "نهضة مصر"، سألت مجلة "الهلال" عدداً من المثقفين والفنانين إن كان الوقت قد حان لتحطيمه. لم يتعامل أي منهم مع السؤال بشكل حرفي، لكن بعضهم اقترح نقل التمثال إلى متحف، ورأى معظمهم إنه لم يعد صالحاً لأن يكون رمزاً لمصر ونهضتها. كانت "الفرعونية" قد فقدت وهجها كمحدد للهوية الوطنية، ففيما تصاعدت الهويات العربية والإسلامية والمتوسطية وغيرها، انصرف الجميع عن التراث الفرعوني. حتى نجيب محفوظ، الذي بدأ مسيرته الأدبية بثلاث روايات "فرعونية"، كان قد وضع تلك التيمة جانباً، لبعض الوقت. فبعد رواية "كفاح طيبة" (1944) الأخيرة في ثلاثيته الفرعونية، انتقل إلي كتابة ثلاثية قاهرة زمنه، قاهرة الحرافيش وأولاد البلد والأفندية.

في العقد الأخير، تعرضت جماليات "نهضة مصر" لبعض النقد والتفكيك على أيدي الباحثين في تاريخ الفنون. فالفلاحة المصرية ليست سوى محاولة تمصير "ماريان"، رمز الجمهورية الفرنسية. فمختار كان قد درس في باريس، وعرض المجسم الأول للتمثال أثناء إقامته في فرنسا، لكن الأهم أن نظرة متفحصة لوجه فلاحة "نهضة مصر" ستكشف ملامح أوروبية، وأبو الهول بدوره يبدو صدىً للاستشراق الأوروبي الذي جمّد صورة الشرق عموماً في الماضي. لكن هل لهذا كله علاقة بتمثال "مصر تنهض" وصاحبه أحمد عبد الكريم؟

في كتابها "تقديرات إبداعية" (2006)، تقدم الباحثة الأميركية، جسيكا وينغار، الدراسة الأنثروبولوجية الأكثر إحكاماً للحقل الفني في مصر. مرّ على الدراسة ما يقرب من عقد ونصف، لكنها تناولت تحديداً الجيل الذي ينتمي إليه أحمد عبد الكريم، جيل "صالون الشباب"، والكليات النوعية، والتوسع في دعم الفنون التشكيلة في عصر فاروق الحسني (وهو نفسه فنان تشكيلي)، وبروز دور القطاع الخاص. تسجِّل وينغار صراعاً بين مدرسة "الأصالة" تلك، المتمسكة بتيمات الفرعونية والريف، كنموذج وحيد للتعبير عن الجماليات المحلية، وبين مدارس أكثر معاصرة وأجيال أكثر شباباً، تنفتح على جماليات معولمة أو حضَرية وآنية.

لا يميل كتاب وينغار إلى تيار على حساب آخر، بل تكتفي بتسجيل تلك المحاولات المستمرة، والتي لم تتوقف بعد، لخلق هوية فنية ووطنية، عبر المحاولة والخطأ. وكذا عما يربط بين معظم المنتسبين إلى تلك المدراس والجمهور أيضاً، أي تلك القناعة الراسخة بالدور "العام" للفن وللفنان، لتمثيل الجماعة، و"الرقي" بالذائقة الجمالية لها.

يتفق عبد الكريم ومنتقدوه على هذا كله. فالعمل الفني، "مصر تنهض"، شأن عام، يستحق الغضب وكذا اعتذاراً عاماً، وهو تعبير عن الجماعة، سواء بوصفه رمزاً لها أو تمثيلاً غير مقصود لتدهور فنونها. فهؤلاء الذين انتقدوا العمل، رأوا فيه، للمفارقة، تعبيراً صادقاً عن الوضع الحالي المأزوم للوطن. ويحيل منتقدو التمثال، إلى فنون مصر الفرعونية، أو يقارنونه بأعمال مختار أو أعمال معاصرة، أعمال "جميلة" حقاً، لكنها مازالت أسيرة تقاليد فنية مرّ عليها أكثر من قرن. لكن مشكلة "مصر تنهض" ليست في خروجه على تقاليد الفرعونية، ولا في القبح الذي رآه البعض في العمل (فالفنون المعاصرة كفت عن اعتبار "الجمال" معياراً للقياس) بل في فقر الخيال. فبعد مئة عام، يأتي عبد الكريم ليقلب ترتيب الكلمات من "نهضة مصر" إلى "مصر تنهض"، ومازالت مصر امرأة كما هي، ومازالت تعاني، ومازالت تنهض، أضاف بعض الوزن لمنحنيات جسدها، وعوج رقبتها قليلاً، وهذا كل شيء.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها