آخر تحديث:08:45(بيروت)
الأحد 30/08/2020
share

استكمال تحطيم سورية خارجيًا

حازم نهار | الأحد 30/08/2020
شارك المقال :
استكمال تحطيم سورية خارجيًا
قد يبدو هذا العنوان مضحكًا أو مثيرًا للسخرية أو مستهجنًا؛ فهل من أهمية تُذكر للحديث عن تحطيم دور سورية الخارجي بعد أن تحطمت سورية أساسًا، وهل من أهمية للحديث عن العلاقات الخارجية لسورية المستقبلية في ظل الدمار الذي تعرضت له سورية داخليًا، أو للحديث عن دورها الإقليمي، بعد أن أصبحت دول عديدة فاعلة ومؤثرة في داخلها؟!

ترتكز، عمومًا، السياسة الخارجية لدولة ما على ركيزتين رئيستين؛ الأمن والمصالح الوطنية، وعليهما تعتمد التنمية الاقتصادية. لذلك تسعى السياسة الخارجية، بصورة طبيعية، للحفاظ على السيادة والاستقلال والأمن القومي، وتوفير القدرة على الحركة، والتأثير في المجال الحيوي للدولة، وتأمين المصالح الاقتصادية. وهناك عوامل موضوعية عديدة تُسهم في بناء السياسة الخارجية للدولة، مثل تاريخها وموقعها الجغرافي ومساحتها وعدد سكانها وثقافة شعبها وتطلعاته، فضلًا عن العوامل الداخلية التي ترتبط بطبيعة النظام السياسي والاقتصادي القائم فيها، لأن السياسة الخارجية لدولة من الدول هي امتداد للسياسة الداخلية بمعنى ما، بحكم حقيقة علاقة التأثير المتبادل بين الداخل والخارج. 

في قراءتنا للوضع السوري من زاوية السياسة الخارجية، نرى أن الهدف الرئيس لعدد من دول المنطقة والعالم، طوال العقد الماضي، لم يكن تحطيم النظام السوري أو إضعافه، بقدر ما كان هدفها تحطيم أو إضعاف سورية نفسها، أي الحدّ من تأثير معطياتها الجيوسياسية والتاريخية اللصيقة بها أو تغييرها، بما يسمح بمنع النظام الحالي أو أي نظام آخر يقوم على أنقاضه من أداء دور كبير ومؤثر في ما يتعلق بقضايا المنطقة، وفي المركز منها القضية الفلسطينية.

من هنا، يمكن القول إن الخطوة الإماراتية باتجاه التطبيع مع "إسرائيل" ما كان لها أن تحصل لولا تحطيم سورية داخليًا، كما لا يمكن النظر إليها، من زاوية الوطنية السورية، إلا بوصفها خطوة تُسهم، بطريقة أو أخرى، في استكمال تحطيمها على المستوى الخارجي، وتقزيم دورها في الإقليم عبر فرض حقائق جديدة على الأرض قبل إيجاد حل سياسي للوضع السوري. وعلى ما يبدو، لن يُطوى الملف السوري إلا بعد تهيئة الوضع السوري بحيث لا يكون لسورية دور خارجي معيق لرغبات وطموحات السياسات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.

لم تهتم المعارضة السورية ببناء رؤية حول دور سورية المستقبلي في المنطقة، ولا عن علاقات سورية بجوارها الإقليمي في حال حدوث توافق دولي على رحيل النظام السوري، بل إن قواها ونخبها السياسية والثقافية اتبعت، عمومًا، شكلًا من أشكال التذاكي المفضوح، طوال المدة من انطلاق الثورة إلى اليوم، في ما يتعلق بتناولها لعناصر السياسة الخارجية السورية، وقد تمثل أساسًا بتجاهل القضية الفلسطينية والجولان، وكأن هذا التجاهل يمكن أن يخدع القوى الإقليمية والدولية، أو على الأقل يمكن أن يزيد من رضاها عن قوى المعارضة. 

لكن ظهرت، في بعض الأحيان، أحاديث وتصريحات وسلوكات سطحية، تركِّز على وضع هذه القضايا وراء ظهرنا، خصوصًا أن النظام السوري قد استثمر فيها كثيرًا لمصلحة بقائه. لسان حال بعض أهل المعارضة السورية: لا وقت للتفكير بدور سورية خارجيًا، المهم هو الداخل السوري وإسقاط النظام. هذا رأي ساذج لا يرى تأثير العلاقات الخارجية في السياسة الداخلية والتنمية الوطنية، ولا ارتباط الداخل بالخارج.

في الحقيقة، لم يحدث تمييز بين الدور الخارجي للنظام السوري والدور الخارجي الموضوعي لسورية في الإقليم والعالم الذي يستند فعليًا إلى مجموعة من المعطيات الجيوسياسية والتاريخية والديموغرافية، بطريقة مشابهة تقريبًا لعدم التمييز بين النظام السوري والدولة السورية على المستوى الداخلي، على الرغم من معرفتنا بطبيعة الدولة السورية وابتلاع النظام لها، وضياع الحدود بينهما؛ فسياسة النظام الخارجية في المنطقة لا تستند إلى مزاجه ومصالحه الخاصة فحسب بل إلى تلك المعطيات أساسًا، وهو لم يكن كليَّ الإرادة بل محكومًا بها، ما يعني أن السياسة الخارجية السورية هي نتاج عاملين؛ الأول هو المعطيات الجيوسياسية والتاريخية السورية، والثاني هو النظام السوري، على الرغم أيضًا من معرفتنا باستثماره تلك المعطيات وفق عقله ومصالحه الخاصة.

هل كان ممكنًا استمرار النظام حاكمًا في الداخل السوري فيما لو ارتكزت سياسته الخارجية المعلنة على الاعتراف بضم “إسرائيل” للجولان مثلًا؟! بالطبع لا؛ فأي نظام كان سيأتي لحكم سورية، خلال المرحلة الممتدة من الستينيات إلى نهاية التسعينيات على أقل تقدير، كانت سياسته الخارجية سترتكز على العناصر أو المعطيات ذاتها. هنا تأتي ضرورة التمييز في السياسة الخارجية السورية بين المساحة والطريقة التي تحرك فيها النظام خارجيًا من جهة، وبين العناصر الحاكمة فعلًا للسياسة الخارجية السورية، بصرف النظر عن النظام القائم، من جهة ثانية.

على الرغم من معرفتنا مثلًا بسياسة النظام السوري في لبنان التي عبرت عن نفسها بصورة مافيوية، وسياسته تجاه القضية الفلسطينية التي حولها إلى قضية يستثمر فيها لمصلحته داخليًا وخارجيًا، وسياسته في العراق التي تجلت بتشجيع الجماعات المسلحة، وتسهيل الهيمنة الإيرانية، إلا أن هذا التمييز ضروري وأساسي في الطريق نحو إعادة بناء السياسة الخارجية انطلاقًا من الوطنية السورية، وبهدف ضمان المصالح الوطنية؛ الأمن والتنمية. 

لا شك في أن إدراك هذا التمييز وأهميته، كان يمكن أن يجنب الكثيرين الذهاب في طريق رمي النظام ومحمولاته معًا، أي العناصر الموضوعية الرئيسة في سياسته الخارجية المعلنة، وبدلًا من ذلك السعي لإعادة بناء هذه العناصر الموضوعية في الوعي السياسي والوعي العام استنادًا إلى رؤية جديدة تنطلق من المصلحة الوطنية السورية. هذا يعني أن العقلانية السياسية في تناول السياسة الخارجية الآن ومستقبلًا تتمثل بتنقيتها من رؤية النظام ومصالحه من جهة، والإقرار بتلك المعطيات الموضوعية من جهة ثانية، لا التنكر لها أو رميها في سياق طي صفحة النظام.

تقتضي الموضوعية القول إن القضية الفلسطينية هي إحدى قضايا الداخل السوري، وليست فحسب ملفًا على جدول أعمال أي سياسة خارجية مستقبلية؛ هي قضية نصف مليون لاجئ فلسطيني في سورية، وقضية مرتبطة بقضية الجولان السوري المحتل الذي يبلغ عدد سكانه المشردين في سورية وأصقاع الأرض نحو ثمانمائة ألف نسمة، وقضية مرتبطة بمسار الثورة السورية المعرقَل أميركيًا وإسرائيليًا بصورة أساسية، وقضية مرتبطة بـ ”إسرائيل” كيانًا ودورًا في المنطقة. في المقابل، تحتاج القضية الفلسطينية إلى إعادة بناء في الوعي العام على أساس الديمقراطية وحقوق الإنسان، مثلما تحتاج إلى استراتيجيات جديدة تبتعد عن أوهام السلاحوية، وإلى قوى جديدة تخوض الصراع السياسي الجديد، قوى مغايرة للجماعات والفصائل المسلحة الدينية والمذهبية، فكرًا وسلوكًا وأدوات.

على العموم، لا بدّ من أخذ الترابط والتداخل بين العنصرين المكوِّنين لسورية؛ الداخل والخارج، أي بين تصورنا للدولة السورية المستقبلية وتصورنا لدورها في الإقليم والعالم، فهما في الحصيلة مسألة واحدة هي القضية السورية، لذلك قد تكون مسألة الأولويات، أولوية الداخل على الخارج أو العكس، مسألة مضلِّلة وخاطئة. فالديمقراطية وحقوق الإنسان قضية مركزية بالنسبة إلى السوريين لبناء دولتهم الوطنية، لكن أيضًا لا يمكن من دونها بناء سياسة خارجية على أساس المصلحة الوطنية. وفي المقابل، فإن القضية الفلسطينية قضية مركزية في المنطقة، شئنا أم أبينا، وتؤثر في دواخل بلدانها كلها، ومن غير الممكن بناء دول وطنية مستقرة، وتنمية حقيقية، من دون إعاقة/ مقاومة “إسرائيل”، كيانًا ودورًا، في المنطقة.

عند هذه النقطة، يصبح لقاء الوطنيين الديمقراطيين في سورية وفلسطين ولبنان والعراق والأردن، على أقل تقدير، أمرًا بديهيًا وضروريًا وملحًا؛ فكل خطوة ناجحة، داخليًا أو خارجيًا، في أي بلدٍ من هذه البلدان، تفتح الطريق نحو التقدم في البلدان الأخرى.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها