آخر تحديث:19:31(بيروت)
الإثنين 03/08/2020
share

نريد تحقيقاً جنائياً شاملاً

مهند الحاج علي | الإثنين 03/08/2020
شارك المقال :
نريد تحقيقاً جنائياً شاملاً

 

على هامش كل النقاشات السياسية العقيمة بين أركان السلطة، تُلقي اتهامات متبادلة بالفساد الضوء على هياكل الفساد في لبنان وآلياته، وتكشف عن آلة سرقة مُنظمة كانت تعتاش على ودائع الناس، بتسهيل من المصارف. 

بات الصراع بين الأقطاب على ما تبقى من فُتات في الدولة، محتدماً، ويقتضي بالتالي التلويح بمعلومة ضد الخصم لإرغامه على الخضوع. لكن النتيجة هي أننا نعرف اليوم أكثر عن خفايا الفساد في دولة يندر فيها المنشقون ممن يتبرعون بالمعلومات. على سبيل المثال، خرج المدير العام لوزارة المالية آلان بيفاني من موقعه الرفيع، من دون أن يُدلي بأي معلومة مفيدة، أو يكشف ممارسات تخرج علينا تفاصيلها من مصادر أخرى.

في لبنان، وفقاً لما تراءى الينا حتى الآن، أصناف من الفساد بالإمكان توزيعها في الشكل على مستويات على الأقل.
 

الأول يتمثل بتضارب صريح للمصالح. وهذا واضح للعيان في أغلب الحقائب الوزارية. على سبيل المثال، يحصل نجل الوزير أو زوجته متعهده المعتمد على عقود استشارية مع الوزارة، أو يلعب دور الوسيط في صفقة ما. مثل هذه التعاملات موثّقة، إذ أُدرجت أسماء مالكي الشركات في السجل التجاري ونشرت الجريدة الرسمية العقود المبرمة. بإمكان أي مواطن الحصول على العقود وأسماء المحظيين من العائلة ودائرة الأصدقاء.

وهذه ممارسة لم تنج منها إدارات أغلب الوزارات الخدماتية التي تقاتل عليها المسؤولون لسنوات. والصفقة بين وزير وابنه، وأمثالها في سياقات مختلفة، لا تطيح وزيراً ولا تفتح تحقيقاً قضائياً في لبنان. على سبيل المثال، تُلاحق دول مثل اليونان حسابات المسؤولين ورجال الأعمال على وسائل التواصل الاجتماعي، لرصد أي علامات ثراء، والتحقيق بها. لكن في لبنان، عندما تنتفخ قائمة الممتلكات العقارية للوزير وعائلته خلال فترة ولايته، لا يتعرض لأي مساءلة، حتى من الإعلام إلا نادراً.

وهذا الإثراء غير المشروع يرفع التكلفة على خزينة الدولة اللبنانية، إما من خلال الاستشارات غير الضرورية أو نفخ القيمة المدفوعة من الدولة من أجل تضمينها أرباح الأطراف كافة (إلا الدولة اللبنانية الخاسرة بطبيعة الحال).

الثاني على ارتباط بالحدود وما يمر فيها من بضائع وبأي كلفة. أكثر من تحقيق مُصوّر أضاء سابقاً على هذه الممارسة، وتوزعها بين أغلب الأطراف السياسية. و"مخلصو البضائع" في الحدود بمختلف أنواعها، يحملون ثروة من المعلومات عن "المفاتيح" وأكلافهم. 

نظراً لأهميته، بات هذا الموضوع اليوم أساس التفاوض مع صندوق النقد الدولي. وحقيقة أن رئيس الحكومة العتيدة حسان دياب أدرج تركيب "سكانرز" (أجهزة مسح ضوئية) على الحدود مع سوريا، ضمن "إنجازاته" في الحديث مع وزير الخارجية جان إيف لودريان. التهريب هو وسيلة أخرى لحرمان الخزينة من الضريبة وتحويل الأموال الى أحزاب السلطة وزبانيتها. استُعيض عن هذه الأموال في الإنفاق الحكومي بودائع الناس.

الثالث هو الاحتكار. الاحتكار بكافة أشكاله هو فساد. على سبيل المثال لا الحصر، في مجال الطاقة، تتوزع الشركات المستوردة للنفط بين القوى السياسية الأساسية. وطريقة العمل هنا واضحة. تُعيد هذه الشركات دفع حُصة للسياسي، إما مباشرة أو بالواسطة، من خلال التبرع لجمعيات خيرية تابعة للزعيم وحزبه، أو لقاء تمويل الحملات الانتخابية كلما يحين وقتها. تعلمنا من خلال الملاحقات القضائية الأخيرة وحفلة التراشق والاتهامات بين الوزير السابق سليمان فرنجية من جهة، والتيار الوطني الحر ووزارة الطاقة، من جهة ثانية، أن هناك مستوى ثانياً في الفساد. 

عملياً، بدلاً من أن تقتصر الكلفة على العمولة السياسية، تُستورد مادة غير مطابقة للصلاحيات من خلال صفقة مع الشركة الأم لتحقيق أرباح من التلاعب بالنوعية واحتسابها بشكل خاطئ. بهذه الطريقة، يُسرق المواطن مرتين، أولاً من خلال احتكار سياسي يتيح تحصيل العمولة وبالتالي رفع الكلفة، وثانياً من خلال التلاعب بنوعية المادة المستوردة.

وفقاً لشهادات من مؤسسات مختلفة، هذا النمط من الفساد الذي اكتشفناه فجأة في مجال الطاقة، يُعمم على مجالات كثيرة. هكذا توزعت صفقات النفايات بعد أزمة عام 2015 ورغم الاحتجاجات المرافقة لها. حصلت المناقصات وفقاً لمنطق المحاصصة وما يعتريه من عمولات، وكانت الأرباح أساساً في الحسبة، بدليل عدم اعتماد إعادة التدوير للحفاظ على البيئة. ربح بالعمولة، وآخر على حساب صحة الناس.

والاحتكار هنا يشمل أيضاً الهندسات المالية، بما أن المستفيدين منها كانوا مجموعة مُحددة من المصارف دون أي معايير واضحة للصفقة.

الصنف الرابع من الفساد هو النقدي المباشر. الوزير السابق وئام وهاب طالب في مقابلة تلفزيونية أخيراً بوقف "الخوة" في مديرية الصرفيات بوزارة المالية، مشيراً الى شكوى من أحد المتعهدين. ماذا كان يقصد؟

يتداول المتعهدون العاملون مع الدولة اللبنانية في ما بينهم، أن هناك عمولة نقدية (كاش) تُدفع عند المطالبة بأي استحقاق مالي. وفقاً لكلام الوزير السابق، وبدلاً من مواجهة تأجيل الدفع إلى أمد بعيد، يدفع المتعهد عمولة نقدية لقبض الاستحقاق. بحسب شهادات موظفين، لا تذهب هذه العمولة إلى جيوب من يقبضها فحسب، بل تُدفع أغلب الأموال الى الجهة الحزبية الحامية له في هذا الموقع. لهذا نجد أن المسؤولين السياسيين غالباً يرفضون تسليم أتباعهم في حال تورطهم في قضايا فساد، لأنها معلومة لديهم وهي جزء من منظومة تمويل متكاملة ومتصلة بجسد الدولة. 

يدفع من يتعامل مع الدولة عادة عمولتين، الأولى عند الحصول على العقد المربح، والثانية عند قبضه. وبما أننا نتعامل مع شركات ربحية هنا لها علاقة طويلة الأمد مع السلطة، فإن هذه الأكلاف الإضافية تُحتسب ضمن العقد منذ البداية. 

نقف اليوم أمام آلة فساد متكاملة تتكشف تفاصيلها تباعاً، ومدتها المصارف بأموال المودعين بلا انقطاع على مدى العقود الماضية. ونظراً لحجم الأموال المنهوبة اليوم، علينا المطالبة بتحقيق جنائي يشمل كل ما ورد على ألسنة السياسيين من فضائح يعرفها كثيرون على أنها ممارسات مؤسساتية شاملة لكل قطاعات هذه الدولة المنخورة بالفساد.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب