آخر تحديث:08:25(بيروت)
الخميس 27/08/2020
share

"بي الكل" البيلوروسي

بسام مقداد | الخميس 27/08/2020
شارك المقال :
"بي الكل" البيلوروسي
على غرار سواه من الطغاة ، يفضل الديكتاتور البيلوروسي الصغير ألكسندر لوكاشنكو لقبه المعروف به "باتكو"، التي يُنادى بها عادة كاهن الكنيسة ، والتي تعني الأب أو "أبونا" . وبين "أب الشعوب" يوسف ستالين وسائر الأبوات الآخرين ، من الأب القائد حافظ الأسد ، إلى "بي الكل" ميشال عون ، إلى باتكو ألكسندر لوكاشنكو وسواه الكثيرين ، ممن حاول طغياناً وفشل لعجز وليس لحكمة طارئة  ، بون شاسع في الحجم والكاريزما والسلطة ، وقد لا يجمعهم سوى لقب الأب المحبب لديهم . وقد تكفلت إنتفاضات "ابناء" البعض من هؤلاء الأبوات بتحويلهم إلى نماذج كاريكاتورية مثيرة للسخرية والإزدراء ، على غرار ما يجري حالياً في لبنان وبيلوروسيا ، ولم يتبق منهم سوى سلوكيات تفاخر وعراضات قوة ليسوا على شيء منها . 

آخر العراضات ، التي تفتقت عنها مخيلة باتكو البيلوروسي لوكاشنكو ، كانت الأحد المنصرم حين طاف في المروحية فوق رؤوس "بحر من المتظاهرين" أمام مقره في مينسك ، ثم حطت المروحية وخرج منها لوكاشنكو مرتدياً صدارية واقية من الرصاص ، ويمتشق بندقية رشاشة خالية من مخزن الطلقات . إضافة إلى سخرية اللبيلوروس ، أثارت هذه العراضة حفيظة عضو مجلس العلاقات بين القوميات التابع للرئاسة الروسية بوغدان بيزبالكو الذي قال ، بأن البيلروس مستاؤن من سياسة الكسندر لوكاشنكو العشائرية ، ويخرج هو إليهم حاملاً بندقية رشاشة ، ويرد عليهم ب"عرض فتوة" ، حسب موقع "REGNUM" الإخباري الروسي . وقال هذا المسؤول ، بأن لوكاشنكو اعتاد على تصوير نفسه على غير ما هو عليه . وظهوره في هيئة الفتوة ، الذي يحمل بندقية رشاشة بدون مخزن طلقات ، هو تبجح آخر غير موفق . وإذا كان يريد بذلك مقارنة نفسه مع سلفادور اليندي ، فالمقارنة في غير محلها . فالرئيس اليندي كانت له ، فعلاً ، سياسة إقتصادية هادفة ، وكان يقاوم ، فعلاً ، الأوليغارشيين والشركات عابرة القوميات . وكان ، فعلاً ، على استعداد للموت والبندقية بيده ، وهو ما حصل . لقد كان مستعداً ليس للعراضة فقط . 

كلام عضو المجلس التابع للكرملين هذا ، لا يعكس بالضرورة الموقف الرسمي للكرملين من الحدث البيلوروسي .فهو لم يكن قد حدد موقفاً واضحاً بعد مرور أكثر من أسبوع على اندلاع الإحتجاجات البيلوروسية ، إعتراضاً على نتائج الإنتخابات الرئاسية ، التي اعتبر المحتجون أن الفائز فيها ليس لوكاشنكو ، بل زعيمة المعارضة سفتلانا تيخانوفسكايا . فقد بقي بوتين صامتاً حيال هذا الحدث المصيري بالنسبة لروسيا ، لأن "لم يكن لديه في بيلوروسيا نقلات شطرنج جيدة ، ولا ما يقوله في شأن الإحتجاجات"، كما كتب المعارض المعروف إيغور ياكافنكو في مدونته على موقع "kasparov" المعارض في 17 من الشهر الجاري . ويشبه هذا الكاتب الكسندر لوكاشنكو بالصرصور في قصة فرانز كافكا "المسخ" ، ويقول بأنه إذا كان كافكا لا يذكر في قصته سبب تحول شخصيتها الرئيسية إلى صرصور ، فإن سبب تحول لوكاشنكو واضح وجلي في 26 سنة من الديكتاتورية ، خاصة بالنسبة لمسؤول سوفياتي سابق يعاني من مرض العظمة النفسي . وتُسمع لدى الصرصور لوكاشنكو مغمغة يترجى فيها بوتين  "بوتين ، أَدخل ، أَدخل شيئاً ما في تهاية المطاف" ، لكن بوتين يبقى صامتاً ، إذ يبدو أنه لا ينوي إدخال أي شيء . 

لكن ثمة في روسيا من يعتبر لوكاشنكو بأنه كان دائماً أفضل من بوتين ، حيث يرى في معسكر الإعتقال ، الذي بناه في بيلروسيا "روسيا ، التي فقدناها". ويستشهد الرجل بنص لأحد الكتاب الروس بعنوان "حول عبقرية لوكاشنكو السياسية والإنشقاق وسط الوطنيين الروس" ، يدعو فيه إلى التوقف عن إنتقاد لوكاشنكو ، ويؤكد بأنه رئيس منتخب شرعياً ، ومحق في كل ما يقوم به . 

ويقول الكاتب ، بأن التناقض في مواقف المسؤولين الروس من الحددث البيلوروسي ، ظهر جلياً في الوكالة الرسمية الرئيسية نوفوستي ، حيث نقلت عن قناة بيلروسية رسمية في 16 من الشهر الجاري نتائج إستفتاء للمواطنين البيلوروس حول إقتراعهم في الإنتخابات الرئاسية ، فكانت النتيجة بأن 53% ممن تم استفتاؤهم اختاروا المعارِضة سفتلانا تيخانوفسكايا  ، في حين اختار 2% منهم فقط الرئيس الحالي لوكاشنكو. وقد أثار ما نشرته نوفوستي حفيظة أولئك البوتينيين "متحجري الرؤوس"  ، ودفع أحدهم إلى الهتاف : "أنتم هناك في نوفوستي ، ما بكم ؟" ، حسب الكاتب.

وينقل ياكافنكو عن كاتب سياسي معروف من الشيوعيين الروس المعارضين للنظام من داخله ، إتهامه لموسكو بأنها تقف وراء الصدامات الدامية بين المحتجين والأمنيين البيلوروس ، وذلك لحاجتها لحجة من إجل إدخال قواتها العسكرية لحماية مواقعها الإستراتيجية في بيلوروسيا . ويرى الكاتب الشيوعي أن سيناريو إضعاف لوكاشنكو لا يزال هو السيناريو الطاغي على الأحداث حتى الآن ، لكن سقوطه ليس لصالح الغرب ، طالما أن موسكو تتولى تنظيم الأحداث . وتتفتق عبقرية  هذا الشيوعي عن إستنتاج لا تقاربه في غرابته سوى إستنتاجات العونيين اللبنانيين ، إذ يهنيء الليبراليين الروس على عملهم الجيد في الحدث البيلروسي ، الذي يصب في "مسار التطور الإستراتيجي للإمبريالية الروسية" . 

الحدث البيلوروسي وتسميم المعارض الرئيسي للكرملين ألكسي نافالني ، هما الحدثان الطاغيان هذه الأيام في المواقع والصحف الروسية ، وذلك لما ينطوي عليه الحدثان من تأثير مباشر على نظام الكرملين ، بل على مسار تطور روسيا اللاحق . وتتحدث عناوين النصوص في جميع هذه المواقع ، عن الهواجس العميقة ، التي تساور الروس عامة ، والكرملين خاصة ، من تطورات الحدث البيلروسي . ولعل المروحة الواسعة جداً لهذه العناوين تقدم صورة  واضحة لهذه الهواجس ، إذ تراوحت بين : "الإضراب البيلوروسي يعد روسيا بمليارات الدولارات" ، "الإحتجاج الروسي يخضعونه لكارهي روسيا" ، "المعارضة تستعد لفصل بيلوروسيا عن روسيا" ، "في ظل أية ظروف يمكن لروسيا أن تنقذ لوكاشنكو" ، "هل أقنع بوتين لوكاشنكو بالمغادرة طوعاً وقبل الإستحقاق ؟" ، "لوكاشنكو والأمنيون : قصص مجهولة عن الإتحاد غير الودي" ، "الروس لا يصدقون نجاح الإحتجاجات ، لا في بيلوروسيا ولا في روسيا" ، "مهندسو الميدان البيلوروسي يخططون لتكرار "الثورة البرتقالية"(أوكرانيا)" ، "الإشتراكية البيلوروسية تتهيأ للموت" .

هذا بعض من المروحة الهائلة لعناوين المواقع الروسية خلال الأيام  الماضية ، ويجمعها كلها خوف دفين وعميق من كل إنتفاضة شعبية على الطغاة أينما حدثت ، وعداء مستحكم للغرب وقيمه ، وحنين مقيم لعودة الإتحاد السوفياتي تحت أي صيغة ممكنة. وكانت لافتة المقالة التي نشرتها نوفوستي في سنوية محاولة الإنقلاب الفاشلة على البيريسترويكا ، والحؤول دون انهيار الإتحاد السوفياتي في آب- أغسطس العام 1991 ، وربطت الذكرى بالحدث البيلوروسي الراهن . كتب المقالة نائب رئيس تحرير صحيفة الكرملين "vz" بيتر أكوبوف ، وجاءت بعنوان "من آب 1991 حتى آب 2020 ، كانت لجنة قيادة الإنقلاب ينقصها لوكاشنكو" . 

يقول الكاتب بأن لأحداث بيلوروسيا تفسيرات متعددة ، لكن السبب الرئيسي لما يجري بسيط ومأساوي : منذ 29 سنة مضت مات في موسكو الإتحاد السوفياتي ، وكل الأحداث اللاحقة ليست سوى نتائج "نحاول تذليلها" . النص اللاحق ، الذي يندرج تحت هذه المقدمة ، يشير إلى أن الكرملين وقياداته وإعلامييه لا يزالون مصرين على أن سبب كل ما تعانيه روسيا وجمهوريات الإتحاد السوفياتي السابقة ، بما فيها بيلوروسيا ، يجد تفسيره في ما رآه بوتين يوماً ، من أن "سقوط الإتحاد السوفياتي كان أعظم كارثة جيوسياسية في القرن العشرين" . 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب