آخر تحديث:08:42(بيروت)
الأربعاء 19/08/2020
share

عقيدة الصدمة

شادي لويس | الأربعاء 19/08/2020
شارك المقال :
عقيدة الصدمة في الطابور أمام "بنك الطعام المصري" (ابريل/نيسان 2020 - غيتي)
منذ مستهل الشهر الجاري، تدفع الحكومة البريطانية 50% من ثمن الوجبات والمشروبات غير الكحولية التي يتناولها المواطنون خارج بيوتهم. برنامج الدعم الفريد من نوعه يهدف إلى تشجيع المواطنين على الخروج والعودة إلى المطاعم والمقاهي، بغية إنعاش قطاع الخدمات الذي تأثر كثيراً بجائحة كورونا. البرنامج في جزء منه، تحويل لنسبة من الدعم الموجه إلى عمال المطاعم المتبطلين بسبب الجائحة، إلى جيوب رواد المطاعم أنفسهم. هكذا تبدأ دورة العمل في العودة إلى مجاريها بالنسبة إلى مالكي المطاعم، فيما القادرون على ارتيادها يُكافأون بهدية صغيرة، أما المتضررون الوحيدون فهم عمال المطاعم الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى العمل، أبكر قليلاً من اللازم. ربما سيستفيد الجميع على المدى الطويل، وإن بدرجات شديدة التفاوت. 

في مصر، أعلنت الحكومة عن زيادة ثالثة في أسعار تذاكر مترو أنفاق القاهرة، ليقفز الحد الأعلى لثمن التذكرة، خمس مرات، ويصل إلى عشرة جنيهات بعدما كان سعر التذكرة الموحد قبل أعوام قليلة جنيهين اثنين فقط. في 2018، كان رفع سعر التذكرة قد أثار احتجاجات محدودة، قُمعت سريعاً، لكن هذه المرة لا يظهر أي رد فعل جماهيري. اللافت للانتباه هو أن الزيادة الأخيرة لا تهدف إلى رفع الدعم عن مرفق المترو العام، بل تعظيم فوائضه، فمداخيل المترو قبل الزيادة تفوق تكاليف تشغيله بأضعاف عديدة. في اليوم نفسه، أعلنت الدولة انضمام أكثر من 300 ألف مواطن إلى لوائح المتعطلين، بسبب تبعات الجائحة، ليصل إجمالي نسبة البطالة إلى أكثر من 10%. ينفق المتعطلون، من العمالة غير المنتظمة، وعددهم يتجاوز المليون ونصف المليون، الدفعة الأخيرة من منحة حكومية استثنائية، ومن غير الواضح إن كان سيتم تمديدها. المشكلة الأكبر أن أكثر من 10 ملايين، من قوة العمل في مصر، تعمل خارج السوق الرسمية، بحسب البيانات الرسمية، ولا يمكن لمعظم هؤلاء الاستفادة من منحة البطالة تلك.

وفيما تضخ الحكومات الغربية حُزماً من المحفزات في الأسواق، وتعلن تأجيل أي خطط للتقشف إلى أجل غير مسمى، تواصل الحكومة المصرية بحماسة لافتة للانتباه، خططها التقشفية. كانت القاهرة قبل أقل من شهر، قد أعلنت اتفاقها مع صندوق النقد على قرض جديد بقيمة 5.2 مليار دولار، لمواجهة الآثار السلبية لتفشي فيروس كورونا، أو ما يطلق عليه "الاستعداد الائتماني". وكذا اقتطعت الحكومة نسبة واحد في المئة، من رواتب الموظفين وأصحاب المعاشات، للغرض نفسه. وكان ذلك كفيلاً بتمكين القاهرة من تأجيل خطواتها التقشفية بضعة شهور، على الأقل لحماية الأسواق الراكدة بالأساس من أي تباطؤ إضافي، إن لم يكن لحماية الفئات الأكثر هشاشة في ظل هذه الظروف الاستثنائية. لكن أولويات الحكومة المصرية تبدو مختلفة.

فبعد الزيادات المتتالية في أسعار الوقود والطاقة والمواصلات، وحتى لا تمس سعر رغيف الخبز المدعوم، والذي يعتمد عليه ملايين المصريين كمصدر أساسي للتغذية، أعلنت الحكومة المصرية قبل أيام خفض وزنه بحوالى 20%، في خطوة مؤلمة، وتوقيت غير مبرر، وغير ضروري على الإطلاق.

صكت الكندية ناعومي كلاين، مصطلح "عقيدة الصدمة" في كتابها "صعود رأسمالية الكوارث" (2009)، لتفسير عمليات تحرير السوق العنيفة، ورفع الدعم الحكومي التي تم فرضها خلال الأعوام الخمسين الماضية. فبحسبها، استغلت الحكومات الكوارث بأنواعها، لتمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية. فحالة الصدمة تفقد الجماهير ما تبقى لديها من القدرة على الحركة والتفاعل مع الخسائر الفادحة في حقوقها. طبقت تلك السياسات في تشيلي ودول الكتلة الشرقية، بعد سقوطها، بل وحتى في المراكز الرأسمالية بعد الأزمة المالية الكبيرة التي تعرضت لها الأسواق.

لم يبدأ النظام المصري خططه التقشفية، وتفكيك ما تبقى من منظومة الدعم، مع ظهور كورونا. فالانقلاب العسكري والحرب على الإرهاب، والتهديد الدائم بانهيار الدولة وسياسات القمع العنيف، كانت كفيلة بتمرير سياسات الصدمة. يستكمل النظام ما بدأه، مستغلاً كورونا أو متجاهلاً إياها في أقل تقدير، ففيما تدعم حكومات غربية وجبات المطاعم، فإن القاهرة، في هذه الظروف الاستثنائية، لا تكتفي بالاقتطاع من الرواتب، ومضاعفة تعرفة المواصلات أكثر من مرة، بل تقتطع من آخر ما تبقى للفئات الأفقر، رغيف الخبز.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها