آخر تحديث:08:10(بيروت)
الأربعاء 08/07/2020
share

مجتمع الاغتصاب التسلسلي

شادي لويس | الأربعاء 08/07/2020
شارك المقال :
مجتمع الاغتصاب التسلسلي "متحرش الأميركية" أحمد بسام زكي

الجدل حول المرأة في مصر، مظهرها وحضورها في المجال العام، يتجدد كل حين وآخر، كانفجارات محدودة ومتتابعة، تبدو كعرض أكثر منها حلاً. فالأزمة عميقة ومزمنة، ولا تصلح محاولات إنكارها أو إسكات ضحاياها كل الوقت.

تتسع الحملة في شبكات التواصل الاجتماعي لفضح مرتكبي الاعتداءات الجنسية وضد مبرريها، وتزداد جرأتها. موجة سابقة تزامنت مع تمدد نطاقات حركة "مي تو" التي بدأت هوليوودية وسرعان ما اتخذت أبعاداً عالمية. شرارة الموجة الحالية تبدو كقضية "هارفي وينستن" محلية، أكثر من خمسين ضحية، بينها رجل واحد على الأقل، يشاركن ما تعرضن له على يد معتدٍ واحد. التفاصيل صادمة، في تكرارها، سهولة تنفيذها، ثقة الجاني المفرطة وإفلاته الدائم، وكذا مصائر الضحايا اللواتي إما خفن من الكلام لبضع سنوات أو عوقبن حين تكلمن (فعلى سبيل المثال أبعدت أسرة ابنتها عن البلاد خوفاً من الفضيحة). الضحايا، كالجاني، ينتمين إلى الطبقة الوسطى العليا، لا شبهة لاستغلال الفوارق الاجتماعية أو محدودية الموارد أو نقص الوعي أو صعوبة الوصول إلى المساعدة لأسباب طبقية. الجرائم تقع في دوائر وسياقات يفترض بها أن تكون الأكثر أماناً، مدارس وجامعات أجنبية وأندية وأحياء سكنية للصفوة، والجاني يمارس فيها وحَولها، تهديده وابتزازه وأحياناً العنف والإرغام البدني، بلا أدنى تردد أو خوف. فهو يبدو واثقاً، كل مرة، من صمت الضحايا، بل وتواطؤ الموجودين في مسرح الجريمة بمحض الصدفة.

في الأيام الأولى ترددت ترجيحات بشأن نفوذ عائلة الجاني، عن وظيفة والده المرتبط بشكل ما بالجيش أو المخابرات، وبولغ في تصوير مستوى علاقاته كمبرر لتلك الثقة الباردة والمخيفة إثناء تنفيذ جرائمه، لكن أياً من هذا لم تثبت صحته. الطريقة التي كان يختم بها الجاني اعتداءاته، إصراره على كسر الضحايا وإذلالهن ودفعهن للشعور بالعار، الكراهية التي يكنّها لهن، كل هذا قاد إلى وصفه بالسيكوباتية. تبدو التحليلات من هذا النوع بشأن اضطراب الشخصية جذابة ورائجة، حين يتعلق الأمر بجرائم تسلسلية. السيكوباتية توصيف دائري، مثلها مثل غيرها من تسميات الاضطرابات النفسية. وبحسب التعريف الرائج: الشخصية السيكوباتية شخصية معادية للمجتمع، يميزها عجز عن التعاطف والشعور بالندم. لا تضيف لنا معرفة ذلك أي شيء لم نعرفه من قبل، لكن التحليلات الفردية تشوش على الطبيعة الاجتماعية للجريمة، تصور مرتكبها كاستثناء، كمسخ، كتشوه فردي، وتصور جرائمه كجنوح خارج على القاعدة.

الجرأة الاستثنائية التي تمتع بها الجاني، لم تكن وليدة نفوذ عائلي ما، ولا بالضرورة عرضاً لاضطراب نفسي، لكنه ببساطة كان واثقاً من بنية اجتماعية تلوم الضحايا باستمرار، تجبرهم على الصمت وتعاقبهم إن تكلموا. في كل مرة، كان الجاني ينكّل بضحاياه معنوياً، ويهينهم، كان يردد مقولات راسخة في مجتمع، كان هو تحديداً لسان حاله أو صدى صوته. المفزع والمأساوي في كل تلك الشهادات، أن الجاني كان، حين يبتز الضحية، لا يهددها بجرم ارتكبته، بل باعتدائه هو عليها، أي يهددها بفضح جرمه. وفيما تتواصل الشهادات الحزينة والمؤلمة، يخرج رجال دين وشخصيات عامة، بل وروائيون ومثقفون معروفون، ليلوموا الضحايا ضمناً، ويلقوا بالمسؤولية عليهن، فملابس المرأة تثير الشهوات، وفي أحيان أخرى حتى خروجها من البيت.

النيابة العامة، التي يمثُل الجاني، أحمد بسام زكي، أمامها، هي نفسها التي تحقق مع فتيات "تيك توك"، بتهم إثارة الغرائز والحض على الرذيلة. المؤسسة القانونية ذاتها تضع المرأة محل الاتهام الدائم وتجعل إثارة الغرائز مسؤوليتها وجرمها، والأدلة هي ملابسها. في بيانها بعد القبض على الجاني، تصف النيابة العامة الجُرم بأنه "التعدي على قيم ومبادئ الأسرة المصرية". هكذا، تظل الضحية في نظر القائمين على القانون، كياناً هامشياً، مِلكاً لأسرتها أو عائلتها ومجتمعها، أو أي شيء أو شخص آخر، إلا نفسها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب