آخر تحديث:08:57(بيروت)
الخميس 30/07/2020
share

إيران تلتجئ إلى الصين

بسام مقداد | الخميس 30/07/2020
شارك المقال :
إيران تلتجئ إلى الصين Getty©
بعد تراجع أنباء الصراع السوري في المواقع الروسية ، إثر انخفاض وتيرة المعارك العسكرية ، تتقدم أنباء إيران في هذه المواقع ، لدى تناولها منطقة الشرق الأوسط ونزاعاتها وصراعاتها المتواصلة. وإيران هي العامل الثابت ، بل والمحرك لجميع هذه الصراعات ، من سوريا والعراق ولبنان ، وصولاً إلى اليمن والخليج بأسره . لكن شتان بين إيران الأمس وإيران اليوم ، بين إيران حاملة لواء تصدير الثورة ، وإيران الباحثة عن من يحميها من العقوبات حتى لو كان في الصين ، بين إيران رسالة الخميني إلى روسيا السوفياتية لترتدع عن "كفرها وإلحادها" ، إلى إيران الباحثة عن مشاركة روسيا في "نادي المتضررين من العقوبات .

بقيت إيران ثابتة على خمينيتها ، في حين تصارع شعوب المنطقة على بقايا الشعارات والأيديولوجيات ، التي تستر بها سفاحوها لكبح مصلحتها في اللحاق بركب تتطور البشرية . واللاعبون الخارجيون في المنطقة ليسوا أصحاب أيديولوجيات ، بل أصحاب مصالح . فالولايات المتحدة لا تبحث عن الحلم الأميركي هنا ، بل عما يدعمه في أميركا نفسها ، وروسيا ليست هنا لدعم "حركة التحرر الوطني العربية" ، بل لتثبيت أقدام "روسيا البوتينية" في المنطقة ، والصين ليست هنا لدعم بقايا الشيوعية ، بل لتسهيل عبور "طريق الحرير الجديدة" أمام رأسماليتها "الشيوعية" ، وتركيا ليست هنا لدعم الشعب السوري ، بل لترسيخ دعائم دولة تبحث في البر والبحر عن موارد جديدة . 

لقد ولى زمن الأيديولوجيات ، حتى المتسترة بالدين منها ، ولم يعد الغرب وحده من يبحث عن المصالح ، بل أصبح الجميع يبحث عن مصالحه ، ويُرذل التضحية في سبيل الأيديولوجيات ، حتى لو تموهت بالدين . وحقوق الإنسان وحقه بالحياة ، ليست أيديولوجية يحتكرها الغرب ويمتطيها في حروبه من أجل مصالحه، بل هي مصلحة البشري الفرد ، إلى اي دين أو عرق أو وطن انتمى  ، اكتسبها عبر حروب طاحنة أودت بالملايين من البشر أمثاله ، وبمدنهم وعمرانهم ، ويدافع عنها حتى ضد الغرب حين يسخرها لمصلحة سياسة حاكم أو جماعة . فما الذي تبحث عنه إيران في هذا البحر المتلاطم من المصالح المتنافسة في ما بينها على المنطقة ، واين موقعها غير الإلتجاء إلى ظل روسيا أو الصين أو مجتمعتين، ومحاورة الغرب متسلحة بهذا الظل . 

بعد كل ما كتب عن تحالف اللحظة في سوريا بين روسيا وإيران ، وعن تغاضي روسيا عن الغارات الإسرائيلية شبه اليومية على المواقع الإيرانية في سوريا ، خرج الموقع الروسي "Lenta.ru" في 23 من الجاري بنص مقتضب عنوانه "روسيا "غطت"إسرائيل من "خطر مميت" في سوريا" . ينقل الموقع الروسي عن الأسبوعية الأميركية العسكرية " Breaking Defense" قولها ، أنه بمقدار ما تصعد إسرائيل من ضرباتها الجوية للقوات الإيرانية وحلفائها في سوريا ، حيث قُتل خمسة أشخاص على الأقل في الغارة الأخيرة ، بقدر ما تتزايد مخاوف المصادر الإسرائيلية من قيام إيران بنشر منظومة دفاعاتها الجوية "خورداد" في سوريا . 

وتقول الأسبوعية الأميركية ، حسب الموقع الروسي ، بأن إسرائيل طلبت من روسيا تسوية هذه المسألة مع إيران . إلا أن موسكو، وبدلاً من معالجة هذه المسألة مباشرة مع طهران أثناء الغارة الأخيرة ، قررت استخدام طائرتها المقاتلة (دون ذكر نوعها) من أجل "تغطية" الطائرة الإسرائيلية التي كانت تقصف القوات الموالية لإيران في دمشق.  

موقع وكالة الأنباء الروسية "Iran.ru" نقل في 24 من الجاري عن سفير إيران في الأمم المتحدة ماجد تخت رافانشي وصف المعاهدة ، التي يجري الإعداد لتوقيعها بين إيران والصين ، بانها "خريطة طريق" بين بكين وطهران للتعاون الإستراتيجي ، وبأنها ليست "أمراً غير اعتيادي" وتنبع من العلاقات القديمة بين البلدين . وكان السفير الإيراني يرد بذلك على الأصوات الروسية والإسرائيلية ، التي تقول بأن المعاهدة "تجعل من إيران محمية صينية" . وقال السفير بأن من المنتظر أن توفر "خريطة الطريق" هذه مستوى من التنسيق بين طهران وبكين يمكنه أن يقوض تأثير واشنطن في المنطقة ، بل ويزعزع محاولاتها لعزل طهران. ونفى السفير أن تكون إيران قد أقدمت على مثل هذه المعاهدة مع الصين لأنها لم تتمكن من الإتفاق مع الولايات المتحدة ، ولأن الأخيرة رفضت التفاوض معها . 

صحيفة "NG" الروسية ، التي تقول بأنها مستقلة ، وفي نص بعنوان "الولايات المتحدة تحاول منع إسرائيل من توجيه ضربة لإيران" ، نقلت عن "جيروزليم بوست" الإسرائيلية في 27 من الجاري ، اعتقادها بأن زيارة رئيس اللجنة الموحدة لهيئات أركان الجيوش الأميركية الجنرال مارك ميللي ، الذي اجتمع في قاعدة إسرائيلية في النقب مع وزير الدفاع الإسرائيلي ورئيس الأركان الإسرائيلي ورئيس الموساد ، حمل رسالة لإسرائيل لمنعها من توجيه ضربة لإيران ، من دون ذكر كيف ومتى كان يجب أن تكون مثل هذه الضربة .

من جهتها صحيفة "Kommersant" ، إحدى كبريات الصحف السياسية الروسية المستقلة ، نشرت في 21 من الجاري مقابلة مطولة مع السفير الإيراني في روسيا كاظم جلالي ، تحدث فيها عن الضغوط الأميركية والتعاون مع موسكو . وبعد استطراد السفير في الحديث عن "صفقة النووي " الإيراني وخروج الولايات المتحدة منها ، وفشل الإتحاد الأوروبي في الآلية ، التي وضعها للتحايل على هذا الخروج والحفاظ على الإتفاق الإيراني ، يقول بأن إيران تبذل حالياً جهوداً مع روسيا والصين للحفاظ على هذا الإتفاق ، لكن "لننتظر كيف ستتطور الأحداث" . ولماذا لا يتطور التعاون الإقتصادي بين روسيا وإيران ، وهل الولايات المتحدة هي السبب في ذلك ، لا ينفي السفير الدور الأميركي في ذلك ، لكنه يرد سبب عدم مثل هذا التطور إلى اسباب ثلاثة : كون الدولتين منتجتين للنفط والغاز ، وتتنافسان مع بعضهما البعض ، وضعف التوجه التصديري في الإقتصاد الإيراني ، وآخرها ضعف المعلومات المتبادلة بين الطرفين وتدني مستوى معرفة كل منهما بالآخر . 

وبعد استطراد السفير في الحديث عن العلاقة الصعبة مع وكالة الطاقة الذرية ، يوجز المقابلة باقتراح إنشاء نادٍ للدول المتضررة من العقوبات الغربية ، وخاصة الأميركية ، يتكون من كل من روسيا والصين وإيران .

موقع "rosbalt" الروسي المعارض ذو الميول اليسارية ، نشر في 24 من الجاري مقالة بعنوان "إيران يمكن أن تصبح محمية للصين" ، قال في مقدمتها بأن سياسة دونالد ترامب حيال بكين وطهران ، تدفع هاتين الدولتين لتحالف إستراتيجي قد تنضم إليه روسيا لاحقاً . وينقل الموقع عن كبير الباحثين في معهد الإستشراق فلاديمير ساجين تعليقه على الإتفاقية العتيدة بين الصين وإيران بالقول ، بأن الإيرانيين يقدمون فعلاً على تنازلات كبيرة للصينيين ، سواء على الصعيد الإقتصادي أو المالي . وإذا ما تحققت خطة التعاون الشاملة ، التي تتضمنها الإتفاقية ، فهي بمثابة عدوان صيني إقتصادي فعلي على إيران، وتصبح إيران بنتيجتها "محمية الصين"، حسب ساجين . وهو يرى أن الخطة سوف تؤدي إلى تعزيز وجود بكين العسكري في الشرق الأوسط والخليج . 

ويقول المستشرق أن المعاهدة قد تعرضت للإنتقاد الشديد حتى في إيران نفسها . فالتقارب الصيني الإيراني لا يحوز على إعجاب شخصيتين متناقضتين في وجهات النظر مثل الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد ونجل شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي المقيم حالياً في الولايات المتحدة الأميركية . فالإثنان ينطقان بالكلمات عينها تقريباُ ، ويقولان ، حسب ساجين ، بأن سيادة إيران بنتيجة مثل هذه الإتفاقية قد تصبح موضع تساؤل . 

الدولة الأيديولوجية الأكبر في التاريخ الحديث ، الإتحاد السوفياتي ،وعلى الرغم من كل ترسانتها النووية ومخازن أسلحتها التقليدية و ضخامة جيوشها ، انتهت ليس إلى التساؤل حول سياستها ، بل إلى انهيارها وتشظيها إلى عشرات الدول . فالسلاح ، مهما عظم حجمه وتنوعت اشكال القتل والدمار ، التي يستهدفها ، ليس ضمانة لأمن الدول واستمرار وجودها . 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها