آخر تحديث:11:32(بيروت)
الأربعاء 29/07/2020
share

"غوغل" التركي ولبنان العثماني

ساطع نور الدين | الأربعاء 29/07/2020
شارك المقال :
"غوغل" التركي ولبنان العثماني
يروي دبلوماسي تركي أنه وزملاءه في وزارة الخارجية التركية لجأوا الى محرك البحث "غوغل" عندما تلقوا قبل أشهر شكوى صريحة من الرئيس السابق سعد الحريري بأن الحكومة التركية تدعم شقيقه بهاء الذي يعمل ضده. عندها تعرف المسؤولون الاتراك للمرة الاولى على الصورة "البهية" لذلك الأخ الذي ينافس أخاه على الزعامة الحريرية، والسنية، مستنداً الى دعم تركي مزعوم، لا تدري به أنقرة.

الرواية جاءت في سياق نقاش حول الموقف التركي من لبنان، والذي يحاط هذه الايام بالكثير من الأساطير، بلغت حد إعلان صهر رئيس الجمهورية رئيس التيار العوني جبران باسيل قبل أيام ان تركيا توزع السلاح والمال، وتكاد تشكل "مليشيا" في شمال لبنان مهمتها العمل ضد الدولة اللبنانية وإستقرار المجتمع اللبناني، بتواطؤ من بعض فروع الجيش والاجهزة الامنية اللبنانية!

لم يذكر حتى الآن ان هذه المليشيا المفترضة، ستكون بقيادة "الآخ الضال" بهاء الحريري، الذي لم يكسب التقدير ولا الاحترام جراء تمرده على شقيقه، بل ألحق المزيد من الضرر بمكانة العائلة وموقع الطائفة ودورها.. سيما وأنه وبعض مريديه، ينسبون إليه حلفاء خليجيين وهميين تارة، وحليفاً تركياً خيالياً تارة أخرى، على ما في هذه التحالفات من تناقض لا جدال فيه.

لكن هذه الخفة الحريرية والعونية في التعاطي مع مسألة حساسة مثل تركيا  وموقفها اللبناني، تخترع عدواً لا يخلو من الاهمية والجاذبية، خصوصا في ظل الدينامية السياسية والعسكرية التي تعتمدها القيادة التركية على المستوى العربي والمتوسطي، والتي تعيد الى الاذهان ملامح من الذاكرة الامبراطورية العثمانية، وتكرس موقع تركيا كدولة أقليمية كبرى، تبحث عن مساحات نفوذ واسعة بناء على كتب التاريخ، وخرائطه القديمة..فضلا عن مصالح شركاتها وتجارتها وسياحتها.  

ليس لدى الاجهزة العسكرية والامنية اللبنانية أدلة على أي دور سياسي أو أمني تركي يتراءى للعونيين او للحريريين. ثمة تعاطف شعبي لا شك فيه من الجمهور السني مع القيادة التركية ، ومع شخص الرئيس رجب اردوغان تحديداً ، لما يبدو عليه من جرأة وزعامة.. من دون أن يلاحظ هذا الجمهور أن الرجل حليف أو شريك لشيعة إيران والعراق وأذربيجان.. وهو قومي تركي أكثر مما هو إسلامي أو إخواني متخفٍ، على ما يوصف في دول الجهل مثل مصر والسعودية والامارات.   

 

وليس هذا التقدير حكراً على لبنان واللبنانيين. كانت قضية  آيا صوفيا مثالاً على سوء الفهم العربي عموماً لتركيا ولنهج رئيسها. القرار بإستعادة المسجد العثماني المقام في المتحف الذي كان كنيسة بيزنطية، قفزة كبرى للوطنية التركية التي يجسدها أردوغان، حظيت بما يشبه الاجماع داخل تركيا حتى من جانب الجمهور العلماني والقومي التركي الذي ينفر عادة من الادوات الاسلامية التي يستخدمها الرئيس وحزبه ، العدالة والتنمية، في تعبئة الراي العام التركي، في معاركه السياسية الداخلية وفي مواجهته مع اليونان واوروبا وروسيا..

تركيا حاضرة في لبنان، وهي تنافس الصين على موقع الشريك التجاري الاول، برقم يزيد سنويا على مليار ونصف مليار دولار من الصادرات التركية الى لبنان،  وتتفوق على بقية دول العالم في كونها الشريك السياحي الاول، الذي حصل من السياح اللبنانيين على ما يقارب ثلاثة مليارات دولار في العامين 2018- 2019. لكن هذا الحضور ليس له جذور، ولا آفاق سياسية. كانت هناك شراكات إقتصادية مهمة في عهد الراحل رفيق الحريري، ثم في عهد الرئيس نجيب ميقاتي، وكانت هناك رهانات خائبة على الرئيس سعد الحريري. لكن التقييم الفعلي للعلاقات الثنائية الراهنة هو أن لبنان يبادر دوما الى إفتعال الخصومة والعداء مع الشريك التركي، كخدمة مجانية مواربة لنظام الرئيس السوري بشار الاسد. هي مبادرة أو بالاحرى ضريبة من جانب حلفاء دمشق، مع حرص "حزب الله" على تمييز نفسه، في ضؤ العلاقات التركية الايرانية المتينة.

مع ذلك فإن المسؤولين والدبلوماسيين الاتراك ما زالوا يستخدمون محرك البحث "غوغل" للتعرف على السياسة اللبنانية ورموزها وشخصياتها، التي لا تعرف حدود الوطنية التركية ولا تدرك الاستعارات العثمانية. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ساطع نور الدين

ساطع نور الدين

رئيس تحرير جريدة المدن

مقالات أخرى للكاتب