آخر تحديث:11:30(بيروت)
الأربعاء 29/07/2020
share

العذرية في المحكمة

شادي لويس | الأربعاء 29/07/2020
شارك المقال :
العذرية في المحكمة ما علاقة أغشية البكارة بالجرائم الاقتصادية؟
ترك القانون تفسير معنى التعدي على "قيم الأسرة المصرية" في يد القاضي، المصطلح الفضفاض لا يعني شيئاً على وجه التحديد، ولذا قد يعني كل شيء أيضاً. قبل يومين، حكم على خمس فتيات متهمات بالتيك توك، بالسجن عامين بالإضافة إلى الغرامة المالية، لتصبح ذلك هو الحكم الأول من نوعه طبقاً لقانون 175 لسنة 2018 الخاص بقيم ومبادئ الأسرة المصرية.

يصرح أحد محامي المتهمات، بأن النيابة طلبت إخضاعهن لاختبار كشف العذرية والإفصاح عن حساباتهن المصرفية، وهنّ رفضن. لا تتضمن لائحة الاتهام أو منطوق الحكم إشارة للدعارة أو إشاعة الفجور (التهم المعتادة في مثل تلك القضايا)، فتلك تهم يصعب إثباتها دون قرائن، أما تهمة التعدي على مبادئ الأسرة فعبء إثباتها في ما يبدو لا يقع على الادعاء العام، بل على المتهمة، فكل امرأة متعدية حتى تثبت هي العكس، بكارتها وذمتها المالية. المفارق والدال في الوقت نفسه، أن القضية نُظرت أمام المحكمة الاقتصادية، وما علاقة أغشية البكارة بالجرائم الاقتصادية؟

قبل أسابيع، علقت صديقة بانزعاج على مقال وضعت فيه، فتيات التيك توك جنباً إلى جنب مع ناشطات وصحافيات ضمن ما أسميته حينها، "حملة أمنية ضد النساء". كانت الصديقة محقة في التفريق بين السياقات المختلفة للمجموعات المستهدفة من قبل الأجهزة الأمنية، لكنها أيضا كشفت لي، ولو عن غير قصد، عن الجانب "الاقتصادي" في قضية التيك توك. فبحسبها ما لفت أنظار أجهزة الأمن، ويقلق كل الأسر حقاً، هو ذلك الثراء السريع الذي ظهر على فتيات من خلفيات طبقية متواضعة. 

فهمت الماركسية كما النسوية الأبعاد الاقتصادية للقيود البطريركية على النساء، المعنى المادي لأعضائهن التناسلية، بوصفها أدوات بيولوجية لإعادة إنتاج المجتمع، لتوريد أيدي عاملة جديدة، أو ما يطلق عليه اليوم "الموارد البشرية". المرأة التي تعمل في الحقل وفي المصنع والمكتب، عليها القيام أيضاً بالكدح البدني المنزلي، دون مقابل، لصالح الأسرة، نواة المجتمع الرأسمالي. وفائض القيمة من هذا العمل المجاني، هذا يصب في دورة فائض الربح الرأسمالية. المرأة التي تملك جسدها تشكل تهديداً لكل تلك البنى الإنتاجية وعلاقات القوى المؤسسة عليها. هكذا ربما تبدو المحاكم الاقتصادية الساحة "الأليق" لفحص الأجهزة التناسلية للنساء. 

"السلطة المدرجة"، مصطلح صكته الأنثروبولوجية الأميركية، أيهاوا أونغ، في مطلع الألفية، لتفسير أنماط معينة من السلطة النيوليبرالية في مجتمعات جنوب شرق آسيا، وفي دول الجنوب عامة. فتراجع دور الدولة من المجال العام بحسب الوصفة النيوليبرالية، لم يكن شاملاً، بل انتقائياً. تخلت الدولة عن تحكمها في مساحات معينة من المجال العام، لصالح فكرة أيديولوجيا السوق الحرة، لكنها عززت قبضتها على مساحات أخرى. تذهب أونغ إلى أن السلطة توظف آليات مختلفة لحكم جماعات سكانية تتفاوت مواقعها في هيراركية السوق، فالسكان يُقسمُون إلى مجموعات بحسب إنتاجيتهم وأهلية اندماجهم في السوق المعولم، الأكثر قابلية للاندماج يحظون بقواعد نيو ليبرالية، قواعد مرنة تمنح الفرد قدراً واسعاً من الحريات الشخصية وفي مجال العمل، أما المجموعات في قاع تلك الهيراركية فتوظف الدولة تجاههم قواعد مختلفة تماماً، شديدة القمع مع استخدام العنف المباشر لإخضاعهم أحياناً كثيرة. ما تؤكده أونغ في طرحها أن تلك الفوارق تبدو أكثر وضوحاً في حالة النساء، فاللاتي تنتمين للطبقات الاجتماعية الأعلى ينلن مساحة مريحة نسبياً من الحريات الشخصية وفي مجال العمل، لكن ما تطلق عليه هي "النيو ليبرالية كاستثناء"، يظل استثناءً غالبية النساء يخضعن في المقابل، للمزيد من القيود الأخلاقية والقمع الجسدي المباشر لتأكيدها. 

لم تقترف فتيات التيك توك تعدياً من أي نوع، لكن القانون 175، وضع خصيصاً لهن ولأمثالهن من طبقات بعينها، والمحكمة الاقتصادية هي المكان الأصلح لإصدار تلك الأحكام، لتقسيم النساء بحسب مواضعهم على الدرج الطبقي، وقمع من في الأسفل، وإحباط أي محاولة منهم للخروج على الأطر البطريركية للأسرة المصرية. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري