آخر تحديث:14:14(بيروت)
الجمعة 24/07/2020
share

"ممانعتان" لبنانيتان لا واحدة

مهند الحاج علي | الجمعة 24/07/2020
شارك المقال :
"ممانعتان" لبنانيتان لا واحدة برادات اللبنانيين الخاوية (غيتي)
على هامش الانهيار اللبناني، وفي متنه، تطل "ممانعتان" برأسيهما في الإعلام والسياسة. و"الممانعة"، كما عهدناها، هي ضرب من النفاق، ظاهرها عداء لإسرائيل أو الولايات المتحدة يطغى على الخطابة في كل مناحي الحياة، وباطنها مصالح ضيقة تتلاقى مع العدو المفترض أكثر مما تفترق معه. 

على سبيل المثال لا الحصر، بإمكان "الممانعة" بنسختها السورية أن تُعلن عداءها الأبدي لإسرائيل والتزامها التحرير الكامل لدولة فلسطين. وفي الوقت نفسه، تُدمر المخيمات الفلسطينية من تل الزعتر إلى اليرموك وتقتل سكانها وتُنكل بهم في السجون. هي قادرة في يوم واحد على بعث رسالة الى إسرائيل على لسان رامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد، بأن نهاية النظام ستنعكس سلباً على الدولة العبرية وأمنها. ومن ثم تتهم "سوريا الممانعة" إسرائيل بالوقوف وراء الاحتجاجات ضد النظام وتنظيمها وتدبيرها. 

الممانعة بنسختها اللبنانية تقول بدعم القضية الفلسطينية وتحلم بالصلاة في المسجد الأقصى، لكنها ومن ضمن ائتلاف حكومي، تحرم عشرات آلاف اللاجئين الفلسطينيين من حقهم بالعمل وتُوصمهم بالإرهاب، وتتركهم قابعين في بؤس أبدي داخل مخيماتهم. 

هذا modus operandi الممانعة، أو منهاجها في العمل. هناك عدو واجهة، مثل شركات الواجهة في عالم العصابات، يُخفي بؤساً وفشلاً متراكماً في كل مناحي إدارة الشأن العام، وشرهاً للاستحواذ على السلطة بأي ثمن، حتى لو كان التعذيب والقتل والتشريد. وفي ميزان الأمور، هناك خدمة صيانة للعدو الواجهة (لتزييت العداء)، تتمثل بمواجهة حقيقية مع كل جيل، تُبرر تكبيله وتدمير مستقبله لعقد أو عقدين أو أكثر. ذاك أن حبل الكذب في منطقتنا ليس قصيراً كما يقول المثل الشعبي.

لكننا هنا في لبنان أمام ممانعة ثانية تُحاول ترسيخ نفسها في الشأن العام مع الانهيار الاقتصادي الحاصل. هذه الممانعة تحصر كل مشكلات لبنان خلال الفترة الماضية، بـ"حزب الله" ومغامراته الخارجية. التنظيم هو مسؤول عن كل الفشل المالي والاقتصادي الحاصل في البلاد خلال العقود الماضية، لتوريطه لبنان في مجموعة من الأزمات الداخلية والخارجية، وعزله عن محيطه العربي. وبالتالي فإن خلاص لبنان يكمن في نزع سلاحه وتطبيق القرارات الدولية بهذا الشأن. لولا الحزب لما حُرم لبنان من مساعدات خليجية، وبسببه، يقبع هذا البلد في وضعه الاقتصادي الحالي.

وهذه السردية الاختزالية تتردد على المستويين الاقتصادي والسياسي، وتشمل جمعية المصارف وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، من جهة، وأقطاب قوى "١٤ آذار" المشاركين في الحكومات المتعاقبة، من جهة ثانية.

وفي هذه السردية مُجانبة للحقيقة. بيد أن لبنان كان سينهار ويغرق في مأزقه الحالي، حتى في غياب الحزب ومغامراته الخارجية. ربما من دونه، كانت الأزمة تأجلت قليلاً لو حسمنا الهزات والصراعات، لكنها ستُصيبنا بكل الأحوال. أحزاب السلطة ومن ضمنها خصوم الحزب، لا تعرف مقاربة الاقتصاد إلا من زاوية الاحتكارات المافيوية والانفاق الريعي غير المرتبط بالواقع الاقتصادي والموازنة التي لم تكلف الحكومات السابقة نفسها اعدادها. كانت الصفقات الفاسدة هي المحرك الأساس للانفاق الحكومي، علاوة على الاحتكارات التي ترفع التكاليف وتُوزع الأرباح غير الشرعية على أركان السلطة.

والممانعة الثانية، الاختزالية في طبيعتها، تُحاول في لوم "حزب الله" في كل مصائبنا، إخفاء هذا الفساد والنهب المنظم، وشبكة الاحتكارات. تماماً كما في الممانعة الأولى، العداء للحزب واجهة للتغطية على عالم سُفلي وشبكة علاقات ومصالح واحتكارات.

وهاتان الممانعتان في خصومة علنية، لكن هناك وحدة حال في تغليب المصالح الضيقة على تلك العامة. لهذا السبب، وفي ائتلافاتهم تحت عنوان "حكومات الوحدة الوطنية"، كانت الصفقة تقضي بعمليتي بيع بالشراكة بين الطرفين: التنازل عن سيادة الدولة على سلاحها وقرارها بالحرب والسلم من جهة، والتغطية "الوطنية" على عمليات النهب وشبكات الاحتكار والصفقات اللامتناهية. أحدهما باعنا بالجُملة، والآخر بالمفرق.

والحقيقة أن كلا الطرفين، مجتمعين ومنفصلين، يتحملان المسؤولية عن الواقع الحالي، ولما تمكنا من التمادي في ممارساتهما لولا الطرف الآخر. لذلك علينا النظر الى السرديتين الاختزاليتين للممانعة ليس بشكل منفصل، بل بصفتهما محاولة واحدة للتملّص من مسؤولية مشتركة عن الانهيار وما يُرافقه من افقار وتجويع ومصائب وآلام تُصيب ضحاياهما اللبنانيين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب