آخر تحديث:09:38(بيروت)
الأربعاء 22/07/2020
share

هدم القاهرة المملوكية؟

شادي لويس | الأربعاء 22/07/2020
شارك المقال :
هدم القاهرة المملوكية؟ جانب من مقابر صحراء المماليك شرقي القاهرة (غيتي)
قبل عام واحد من الاحتلال البريطاني لمصر، وفي العام 1881، أعلن الخديوي توفيق، تأسيس "لجنة الحفاظ على الآثار العربية". كان معظم أعضاء اللجنة التي تحمل اسماً فرنسياً، من الأجانب، وتشكيلها جاء نتاج ضغوط القوى الأوروبية التي وصل نفوذها إلى الذروة حينها. النموذج كان ترميم باريس بعد دمار الثورة الفرنسية، وانكبّت اللجنة على حصر وتصنيف الآثار القبطية والإسلامية في القاهرة القديمة، واتخاذ القرارات بخصوص الترميم، وفي أحيان أخرى الهدم وإعادة البناء على الطراز نفسه وبالتفاصيل ذاتها. كانت اللجنة عنصراً واحداً في منظومة كبيرة لإعادة تعريف علاقة التاريخ بمعمار المدينة، وفكرة الأثر والقيمة، وصلات التراث والحاضر، وذلك كله بحسب معايير الحداثة الأوروبية.

في البداية، استقبل المصريون أعمال اللجنة بكثير من التململ. فهم حرموا من تولي المناصب القيادية في إداراتها لوقت طويل، أما السكان فنُزعت ملكيات بعضهم أو تأثرت حياة البعض الآخر بشكل كبير جراء أعمال الصيانة، فيما كان من أولويات اللجنة ضمان "رضا السائح". لكن، مع الوقت، تبني المصريون الأفكار نفسها، وبحماس أكبر، ليصبح التراث المعماري بمفهومه الأوروبي في القلب من مشروع وطني لتأكيد الهوية الوطنية ومقاومة الاستعمار الأوروبي نفسه.

في فيلم "المومياء" (1969)، إحدى علامات السينما المصرية الأبرز، يقدم شادي عبد السلام معالجة فيلمية لقصة خبيئة مومياوات الدير البحري الحقيقية، عارضاً الصراع بين جيلين في قبيلة تعيش على نهب وبيع الآثار في نهاية القرن التاسع عشر، وكشف أيضاً التوتر بين بنى السلطة التقليدية الممثلة في القبيلة، وبين الدولة الحديثة وممثليها من "الأفندية"، والأهم معضلة حاجة القبيلة لمصدر دخلها الوحيد، والتصور الحديث لقيمة التراث المعماري/الأثر. وقبل عام واحد من إنتاج الفيلم، في العام 1968، كانت الجهود المدعومة من اليونيسكو قد نجحت في تنفيذ أحد أكبر مشاريع الحفاظ على التراث وأكثرها إبهاراً، فمعبد أبو سمبل المحفور في الجبل كان قد تم الانتهاء من تفكيكه ونقله قطعة قطعة وإعادة بنائه، لحمايته من الغرق تحت بحيرة ناصر. في هذا الوقت تحديداً، كان "المومياء" معنياً بتأكيد إعادة تعريف القيمة، وترسيخ دور الماضي في بناء هوية وطنية، حين كان بناء السد وإنقاذ آثار النوبة، وجهَين لعملة واحدة، الروح القومية متجلية في عظمة الماضي وإنجازات الحاضر.

قاهرتنا مملوكية أكثر منها أي شيء آخر، الأهرام بعيدة، على أطرافها، أسسها الفاطميون ومعهم ترك الطولونيون والأيوبيون وغيرهم بصمات عليها. لكنها قاهرة دولة سلاطين المماليك الذين حكموا إمبراطورية، مازالت صورتها الأكثر حضوراً وبهاءً إلى اليوم، لا بفضل المعمار الذي تركوه خلفهم فقط، بل أيضاً بفضل جمالياته التي وظفها بُناة القاهرة الخديوية. كان الطراز "المملوكي الحديث" اختراعاً أوروبياً خالصاً هو أيضاً، يدين بالكثير للمعماريين الفرنسيين والإيطاليين، لكن المصريين تبنوه أيضاً، من محطة القطارات الرئيسية في باب الحديد (رمسيس الآن)، ودار الكتب القديمة في باب الخلق، إلى المتحف القبطي، أضحى تراث المماليك المحدث بواسطة الأوروبيين، علامة على حضور التاريخ في الحاضر، وعلى هوية لأمة تسعى للاستقلال.

في نهاية الثمانينات، وبعد عقدين من سياسات الانفتاح الساداتية التي توسع فيها مبارك من بعده، أنتج مسلسل "الراية البيضا" (1988)، إحدى علامات دراما أسامة أنور عكاشة التلفزيونية، ليكشف تغيرات في شكل الصراع على مفهوم التراث وقيمته. فالفيلا ذات القيمة المعمارية التي تسعى "المعلّمة فضة المعداوي" لشرائها، لا يهددها رأس المال وحده، بل السوقية أيضاً، صورة من صور الانحطاط تأتي بها الطبقات الشعبية الصاعدة في مواجهة طبقة وسطى مهزومة، طبقة هي في الأغلب ورثة "أفندية" فيلم المومياء المنتصرين، لكن في طور الذبول. لسبب ما، فشل صنّاع المسلسل في اجتذاب المشاهدين لصالح قضيته، فالمدهش أن المشاهدين أحبوا "المعلّمة فضة" (قامت بدورها الممثلة الراحلة سناء جميل)، خفيفة الدم ورجالها الكاريكاتوريين، وظلت لازماتهم عالقة في اللغة اليومية إلى اليوم. أما المدافعون عن التراث، فبدوا في المسلسل متشنجين أكثر من اللازم، وجادين أكثر من اللازم.

في الأيام القليلة الماضية ساد الغضب، وسائل التواصل الاجتماعي، فصُور ومقاطع مصورة قيل إنها لعمليات هدم لمقابر المماليك التاريخية بدت مأسوية جداً. ومبرر الهدم، وهو توسعة المحاور التي تقود العاصمة الجديدة، كان مدعاة للمزيد من الغضب. خرجت وزارة الآثار والسياحة ببيان ينفي أن تكون المقابر المهدمة أثرية أو ذات قيمة تاريخية، وهو ما يبدو صحيحاً إلى حد كبير. لكن الغضب يظل مفهوماً لسكان مدينة، يتم هجرها، يستيقظون في الصباح ليجدوا أشجارها وقد اقتلعت من الشوارع، وحدائقها القليلة تختفي واحدة بعد الأخرى، ومعالمها تتغير بسرعة مقبضة من دون أن يُسألوا أو أن يكون لهم يد في ما يحدث. تبدو الغضبة الأخيرة متعلقة بالحاضر أكثر منها بالماضي، أو بشكل أدق متعلقة بالماضي بوصفه حاضراً، كما كان دائماً.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب