آخر تحديث:09:29(بيروت)
الخميس 16/07/2020
share

آيا صوفيا "الروسية"

بسام مقداد | الخميس 16/07/2020
شارك المقال :
آيا صوفيا "الروسية"


لم يكن من المستغرب أن تنفجر في مواقع الإعلام الروسية موجة عارمة من التعليقات والمقالات حول القرار التركي بشأن آيا صوفيا، لم تنته فصولها حتى اللحظة. فلم يكن بوسع "روما الثالثة"، كما تفضل موسكو أن تسمي نفسها، أن تتساوى مواقعها الإعلامية في هذه الحملة مع سائر المواقع الإعلامية في العالم، وهي التي تتصدى لمهمة حماية الأرثوذوكسية العالمية، والحؤول دون ظهور "روما رابعة" مكان الثالثة، كما يحاول أن يفعل إردوغان بقراره الأخير، برأي السياسي الشعبوي الروسي فلاديمير جيرينوفسكي. 

الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، الطرف الروسي الأول المعني بالقرار التركي، اعتبرت أن القرار شكل "صفعة للمسيحية" في العالم، كما جاء على لسان رئيس لجنة العلاقات الكنسيبة الخارجية المتروبوليت إيلاريون للمجمع الإعلامي "RBK". وعبر المتروبوليت عن أسفه لأن تتغلب في القرار التركي اللحظة السياسية الراهنة على احترام التقاليد الدينية، واعتبر أن القيادة التركية وجهت صفعة "للكنيسة الأرثوذوكسية وللمسيحية العالمية". واعترف، مع ذلك، أن العوامل التي دفعت أنقرة لاتخاذ مثل هذا القرار، يمكن الإختلاف في تقديرها، إلا أنه لفت إلى أن التراث الروحي للعالم " لا ينبغي أن يكون أسير اللحظة السياسية الراهنة".

من جهته، مسؤول علاقات الكنيسة الروسية مع المجتمع وأجهزة الإعلام فلاديمير ليغويدا، قال للموقع عينه، بأن القرار الذي اتخذته السلطات التركية، سوف يتم النظر إليه بشكل سلبي في سائر العالم المسيحي. واعتبر أن منطق السلطات التركية مفهوم، كما هو مفهوم أيضاً بأنه شكلياً، هو شأن داخلي تركي، "لكن ثمة أموراً تتخطى إطار القرارات الشكلية". 

وكالة نوفوفستي نقلت عن رئيس الهيئة الروحية للمسلمين الروس المفتي ألبير كرغانوف قوله، بأنه أكثر من مقتنع، بأنه لن تكون هناك أية عقبات لزيارة المسجد من الراغبين في ذلك "كما يقول نظام زيارة المساجد في الإسلام". ويقول بأنه، وفقاً للشرائع الإسلامية، وباستثناء المسجدين المقدسين في مكة والمدينة، بوسع أي راغب "باللباس المناسب" أن يزور المسجد في كل العالم، وأن يتواجد أثناء تأدية الصلاة، دون إزعاج المصلين. 

مجلس الدوما الروسي، البرلمان، استبق القرار التركي وأقر بالإجماع نداءاً إلى البرلمان التركي ناشده " إظهار الحكمة" وعدم تغيير قرار كمال أتاتورك، والإبقاء على آيا صوفيا متحفاً. وقامت صحيفة تتارستان الإلكترونية في عاصمة التتار قازان " BUSINESS Online" في 8 من الجاري بجمع تعليقات عدد كبير من الكتاب والسياسيين الروس على النداء في نص ساخر بعنوان "أحد ما ينبغي أن يرد، لكن بوتين ساكت: هل تصبح آيا صوفيا مسجداً". وقالت الصحيفة أن نواب مجلس الدوما، وتحت شعار "إردوغان كن جديراً ب أتاتورك"، أقروا وثيقة متحفظة للغاية، لا تتضمن أية تهديدات، بل أمنيات حذرة على زملائهم الأتراك بتحليل الوضع من كافة الجوانب، وإبداء الحكمة وعدم إعادة النظر بقرار مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. ونواب مجلس الدوما، برأي الصحيفة، مقتنعون بأنه ينبغي اتخاذ جميع الخطوات الممكنة للحؤول دون الضرر، الذي يمكن أن يلحقه قرار متسرع بتغيير وضع المتحف العالمي، وكانوا هذه المرة مجمعين في اندفاعتهم للذود عن آيا صوفيا. 

صحيفة الكرملين "VZ"، كان من البديهي أن تدلي بدلوها، وغير مرة، في موجة التعليقات العارمة هذه حول القرار التركي بشأن آيا صوفيا. وكان من اللافت أن النصين، اللذين نشرتهما الصحيفة في 10 و14 من الشهر الجاري، كانا للكاتب الدائم نفسه في الصحيفة كيفورك ميرزيان، واتسما بلهجة متشددة، بل وعدائية حيال تركيا. عنون الكاتب نصه الأول "إردوغان يطرح تحدياً، بما فيه لروسيا"، والنص الثاني "على روسيا وأوروبا أن تردا على إردوغان بشأن آيا صوفيا"، وكتب في الأول بأن إردوغان، وبعد حوالي حوالي 570 سنة منذ محمد الفاتح، يقوم مجدداً بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد. العالم يعبر عن استيائه بصوت عال، لكن دون أي أفق. وعلى الرغم من أن المتحف لم يتم ضياعه بصورة نهائية، إلا أنه ينتظر المدافعين عنه، الذين ما زال بوسعهم الذود عنه جزئياً، وهنا كان من شأن روسيا أن تلعب دوراً. ويقول بأن المعجزة لم تحصل، وتم في 10 من الجاري إعلان قرار المحكمة الإدارية العليا في تركيا عن وضع آيا صوفيا، إذ لم تعد الآن متحفاً، بل أُعيدت رسمياً لتكون مسجداً، وأرفق إردوغان توقيعه على القرار بكلمة "تهانينا". 

ويقول الكاتب، أن بعض الهيئات ما زالت تواصل النضال ضد قرار أنقرة على المستوى القانوني، إذ تقول منظمة اليونسكو، أن أي تغيير في وضع آيا صوفيا ومظهرها كمعلم ثقافي عالمي، ينبغي أن توافق عليه المؤسسات المعنية في منظمة الأمم المتحدة. إلا أنه من المستبعد أن يُظهر إردوغان إحتراماً لموقف المنظمة، التي لم يعد رأيها يعني كثيراً لأحد في العالم، بل من الأهم أكثر بكثير بالنسبة له موقف المواطنين الأتراك.

وفي مقالته الثانية، يقول الكاتب، بأنه قد مضت أيام منذ أن قام الرئيس التركي بتغيير وضع آيا صوفيا من متحف إلى مسجد، والعالم يواصل امتعاضه من هذ العمل " الجلف، الإستفزازي، المجنون، وحتى الظلامي". وهذا الإمتعاض لا يثير سوى الأسف، وليس لأنه لا يرتكز إلى أساس، أو لأنه مهين لتركيا، بل لأنه إستعراضي. ومن المريح نفسياً بالنسبة للنخب الغربية استبدال الخطوات الفعلية، التي كان ينبغي أن تتبع القرار التركي بامتعاض إستعراضي. والمسألة، برأيه، ليست في آيا صوفيا، بل في أن تغيير وضعها أصبح خطوة إضافية نحو تحول تركيا إلى دولة ظلامية عدوانية يحلم بها إردوغان وتمثل تهديداً للحضارة الأوروبية برمتها. 

وعلى العكس تماماً من لهجة هذا الكاتب السياسي العدائية ضد الأتراك في صحيفة الكرملين، قام نائب رئيس تحرير الصحيفة بيتر أكوبوف في اليوم عينه، في 14 من الجاري، بنشر مقالة في موقع نوفوستي تساءل في عنوانها "هل تتمكن آيا صوفيا من توحيد الروس والأتراك؟" بعد أن يتوقف الكاتب عند نداء البرلمانيين الروس إلى زملائهم الأتراك، ويستعرض موقف الكنيسة الأرثوذوكسية الروسي، يقول بأن الدفاع عن آيا صوفيا المقدسة هو المهمة الطبيعية للكنيسة الروسية، "حتى لو لم يكن هناك أية فرصة لإعادة الصليب إليها". 

يؤكد الكاتب أن موقف روسيا كدولة يختلف عن موقف الكنيسة، وليس لأنها ليست قلقة على مستقبل آيا صوفيا، بل لأن ليس لها الحق بأن تشير على تركيا كيف لها أن تتصرف، ولا بالأحرى أن تهددها. ويستشهد الكاتب بما جاء الإثنين المنصرم على لسان نائب وزير الخارجية الروسية سيرغي فيرشينين، من أن روسيا تقارب المسألة من أن الحديث يتعلق بالشؤون الداخلية لتركيا، التي من الطبيعي أن لا تتدخل بها لا روسيا ولا سواها. فروسيا لا تضغط على تركيا، مع العلم أن بوتين، حسب الصحافة الأوروبية، هو الوحيد الذي كان بوسعه أن يقنع إردوغان بالإقلاع عن خطوته تلك. ويقول الكاتب إن مثل هذا التقييم للوضع هو تقييم خاطئ. صحيح أن علاقات ثقة متينة جداً نشأت بين بوتين وإردوغان، إلا أنها علاقات قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون بعضهما البعض. 

في تعليقه على مناشدة البرلمانيين الروس لزملائهم الأتراك، يقول المستشرق ألكسي مالاشنكو بأن على روسيا أن تلتزم الصمت، وأن لا تحشر نفسها في المسألة الراهنة، لأن كل شئ قد سبق وتم تقريره. وإذا ما قامت روسيا بخوض جدال مع إردوغان، أو مع أحد آخر ينطق باسمه، فسوف يكون هذا أمراً غبياً.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها