آخر تحديث:08:16(بيروت)
الأربعاء 15/07/2020
share

الانتهاكات الجنسية: أزمة المعارضة المصرية

شادي لويس | الأربعاء 15/07/2020
شارك المقال :
الانتهاكات الجنسية: أزمة المعارضة المصرية من تظاهرات سابقة ضد التحرش (غيتي)

قبل عامين، قادت اتهامات بالتجاوز الجنسي، إلى استقالة السياسي اليساري والمرشح الرئاسي السابق، خالد علي، من "حزب العيش والحرية" ومن عمله كمستشار بالمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. كشفت القضية التي أطلق عليها إعلامياً اسم "فتاة الإيميل"، مشاكل مؤسسية في أحزاب المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان. فغياب الآليات والإجراءات والضمانات اللازمة للتبليغ والتحقيق في مخالفات الاعتداء الجنسي، أو عدم وضوحها بشكل كافٍ، كان أكثر ما نال من صورة "العيش والحرية". لكن القضية أيضاً كشفت عما هو أعقد من ذلك. فمجاهرة الضحايا باتهامات ضد منتسبين إلى دوائر المعارضة كان يعني، في الوقت نفسه، تحميل الضحايا التبعات السياسية لتلك الاتهامات، واستغلال النظام لها. ووجدت الشاكيات أنفسهن أمام هجوم مضاعف، من المجتمع الأوسع، ومن دوائرهن المعارضة التي لامتهن على الضرر السياسي.

تأتي الموجة الثانية من اتهامات الانتهاكات الجنسية، التي تفجرت قبل أسابيع، فيما الدوائر المحسوبة على المعارضة ليست في وضع أفضل. فاتهامات نالت من مدير وحدة الأبحاث بمؤسسة حرية الفكر والتعبير، قادت إلى فصله، وجلبت القضية الكثير من الشهادات عن سوء الإدارة في المؤسسة بوجه عام، ما دفع مجلس الأمناء لفتح تحقيق موسع، واعتذرت المؤسسة عن عدم قيامها بوضع سياسيات خاصة بمكافحة التحرش الجنسي من قبل. وقام "المركز الإقليمي للحقوق والحريات" بإيقاف أحد العاملين المتهمين بالتحرش الجنسي، وأعلن تشكيل لجنة لتلقي الشكاوى المشابهة والتحقيق فيها. أما مركز "بلادي للحقوق والحريات"، الذي لاحقت مديره اتهامات بالانتهاكات الجنسية من مصر وتونس والولايات المتحدة، فأعلن إيقاف أحد موظفيه عن العمل، من دون ذِكر اسمه، وصمت عن الادعاءات شديدة الخطورة المتعلقة بمديره.

لم تتدخل السلطات المصرية بشكل رسمي في أي من الشكاوى السابقة، وإن كان يمكنها ذلك بشكل قانوني، لكن التقدم ببلاغ من إحدى المدعيات إلى النيابة العامة ضد الناشر المصري، محمد هاشم، هو ما حرك الأجهزة الأمنية، فألقي القبض على الناشر المعروف بمواقفه المعارضة، ومن ثم أطلق سراحه بكفالة على ذمة التحقيق. وأثارت تلك الواقعة، الخلاف، أكثر من غيرها. فاتهام المدعية بالعمل لصالح الأمن لم يتأخر. ومن لم يفعل ذلك، استهجن اللجوء لمؤسسات الدولة الأمنية ذات السجل المفزع من التجاوزات الحقوقية، ودعا البعض إلى حلول عرفية أو داخلية لتفادي تدخل النظام أو استغلاله للقضية، لكن تلك الحلول تعاملت مع الاعتداءات الجنسية وكأنها مخالفات أخلاقية فقط، لا جرائم يعاقب عليها القانون، ووضعت مسؤولية تفادي الفضيحة على المدعيات كالعادة. وكأن المرأة في هذه الحالة مِلك للمعارضة أو مسؤولة تجاهها، كما هي مِلك للأسرة وللطائفة وللوطن، وعليها عدم الحديث جهاراً حتى لا تسمح بتدخل الخصوم أو شماتتهم.

تتوالى الاتهامات في شبكات التواصل الاجتماعي، لتطاول نشطاء وحقوقيين وأكاديميين وإعلاميين، في مصر وفي الخارج أيضاً. بعض الادعاءات مقترن بالأسماء والوقائع، وبشهادات العديد من الضحايا، وبعضها مجرد تلميحات وأحياناً مجهلة المصادر وبلا أسماء. الكثير منها يبدو ذا مصداقية، والبعض الأقل يبدو تشنيعاً بدوافع انتقام شخصي. وتتزايد أصوات تدعو إلى نبذ المتهمين اجتماعياً، وتذهب أخرى إلى اتهامات أوسع تطاول مجتمع اليسار أو المعارضة أو النخبة أو "وسط البلد" أو المثقفين، بالفساد الأخلاقي والرياء وتوظيف شعارات التحرر لاستغلال النساء وانتهاكهن.

وفي هذا كله، لا تظهر دلالة على دور للنظام في تلك الموجة، كما يدعي البعض، بل ما يبدو لافتاً للانتباه هو عدم حماسة أجهزته لاستغلالها إعلامياً وأمنياً بالشكل الكافي. الدوائر التي تلاحقها الاتهامات يصعب تعريفها بدقة، لكن، بشكل أو بآخر، يمكن نسبتها إلى المعارضة العلمانية، تلك التي لا تتكون بالضرورة من هياكل سياسية، بل من شبكات رخوة من المؤسسات الصغيرة الحقوقية والإعلامية وأفراد من المثقفين والنشطاء والأكاديميين والشخصيات عامة. تعكس تلك الدوائر، ذات الاختلالات الموجودة في المجتمع الأوسع الذي تعيش فيه، ومن ضمنها القيم والبنى الذكورية بالطبع، مع قدر من التحرر (أو ادعاءاته) ينتهي في أحيان كثيرة، في ظل الاختلال الفادح لعلاقات القوة بين الجنسين، إلى تعميق الانتهاكات الموجهة ضد المرأة والتعمية عليها.

المعارضة التي تعاني هزيمة ساحقة على المستويات كافة، ولا تقوم سوى بدور معنوي خافت كمرجعية قيمية، تفقد أيضاً قدراً مما تبقى لها من مكانة رمزية، بخسارة الكثير من رصيدها الأخلاقي أمام نفسها والآخرين. ولا يمكن فعل الكثير الآن لتعويض الضرر الذي وقع بالفعل، سوى المضي في التحقيقات، دعم الشاكيات وعقاب من تثبت إدانتهم، ووضع قواعد وآليات مؤسسية لمكافحة الاعتداءات والتجاوزات ضد النساء وتمكينهن في المستقبل.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب