آخر تحديث:10:33(بيروت)
الأحد 12/07/2020
share

زراعة الحزب وحصاده

ساطع نور الدين | الأحد 12/07/2020
شارك المقال :
زراعة الحزب وحصاده
صار مملاً ذلك الهزء من نداء الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، لاحياء قطاعي الزراعة والصناعة وتعزيزهما بمبادرات فردية ضرورية، لأنه يعبر عن سطحية بل عن سذاجة لا مثيل لها في وعي الجمهور اللبناني، كما يعكس خللاً فادحاً في قراءة موقف سياسي حرج للحزب ولزعيمه.

غاب عن جميع الذين سخروا من نصرالله، ان الإهتمام بالزراعة والصناعة، غاية وطنية مثلى، لا يدركها في الأصل سوى الراسخين في السياسة، الملتصقين بمجتمعاتهم، المتصلين ببيئاتهم، الحريصين على أمن أوطانهم وإستقرارها..لا المغامرين او المخاطرين أو طبعا العابرين في تلك الاوطان.

قرار حزب الله بمغادرة الحيز الطوباوي الذي يسكنه منذ تأسيسه، والانتقال للعيش على أرض الواقع، هو إنعطاف محمود بلا أدنى شك، يستدعي تشجيع الحزب على المزيد من تلك الإنعطافات التي يحتاجها الوطن، ودعوته الى توجيه إهتمامه نحو قطاعات حيوية، ملحّة أكثر بكثير من الزراعة والصناعة، مثل الكهرباء والمياه والصحة والاتصالات..حتى ولو أدى ذلك الى خيبة أمل شبيهة بتلك التي خلفها الحزب عندما قرر الإسهام في ملف مكافحة الفساد، فكانت النتيجة فساداً أكبر يكاد اليوم يضيع أحد أهم عناصر الهوية الوطنية، أي الليرة.

لا مبرر للمزيد من الهزء. ثمة حاجة الى التدقيق في خلفية هذا التوجه، المشكور سلفاً، مهما كانت نتائجه مخيبة. ففي ذلك ما يحمي المقاومة نفسها، ويحفظ الوطن كله من الإنهيار.. وفي ذلك ما ينقل الاثنين معا من مرتبة الزجليات المضجرة، الى مرتبة العصبيات الحميدة، بدل الانحدار أكثر الى الغرائز والأحقاد التي تهدد الجميع اليوم وكل يوم.

في خطاب الزراعة والصناعة لم يردد نصرالله زجلية المقاومة وقدسيتها وسلاحها ، على نحو ما كان يفعل في جميع خطاباته السابقة التي كانت تزخر بكلام مرتفع عن القوة والحرب والردع والرعب، الذي لا يوفر أي خصم سياسي محلي.. كما تعامل مع الخرق الاميركي المتكرر للاعراف الدبلوماسية في لبنان، مثلما يتعامل أي حزب للخضر، أو للبيئة. الاولوية ليست للصراع مع أحد ، ولا هي طبعا لإسقاط حكومة حسان دياب أو هز عهد ميشال عون. الان هو وقت تحويل سطوح الابنية والمنازل الى جنائن خضراء..تمتع الناظر الى لبنان من الفضاء.

ما كان مفتقداً في ذلك الخطاب، وفي كل ما يصدر عن الحزب هذه الايام، هو الموقف من الحرب الخفية الطاحنة التي تدور رحاها بين الاميركيين والاسرائيليين وبين الايرانيين، والتي أصابت درة التاج الايراني، مفاعل نطنز النووي الذي لحقت به اضرار جسيمة، جراء ضربة تكاد إسرائيل تتبناها رسمياً..عدا عن الضربات الاخرى التي اصابت عدداً من المواقع العسكرية والصحية الحيوية في داخل إيران.

مساهمة الحزب الوحيدة حتى الآن في تلك الحرب، كانت في فيديو الاحداثيات الشهير الصادر في 21 حزيران يونيو الماضي والذي حدد فيه ستة أهداف عسكرية إسرائيلية هي الآن في مرمى الصواريخ الدقيقة التي بات الحزب كما يبدو يمتلكها وصار جاهزاً لإستخدامها. منذ ذلك الاصدار المفاجىء، لم تتوقف الغارات الاميركية والاسرائيلية على الاهداف الايرانية في سوريا والعراق ثم أخيراً في العمق الايراني، الذي كان محيداً نسبياً عن جبهات المواجهة.

للحزب بلا شك مساهمات أخرى قادمة في تلك المواجهة، تتخطى تطوير الزراعة والصناعة في لبنان، أو تأجيل البحث بالتغيير الحكومي (أو الرئاسي). لكنها كلها تقع في باب التكهنات الاميركية والاسرائيلية التي تتعامل اليوم مع إيران كجبهة ممتدة على مساحة المشرق والخليج العربيين، ولا تستبعد الإشتباك في مواقع أبعد.. كما لا تستثني تعديل قواعد الحرب في سوريا التي قررت القيادة الإيرانية الاستحواذ عليها من الروس وتحويلها الى قاعدة صواريخ مضادة للطائرات.

لذلك يبقى إهتمام الحزب بالزراعة والصناعة المحلية، عملاً مباركاً لا يستحق الهزء، حتى ولو كان نوعاً من التقية التي لا تخفف ظلمة الوطن ولا تؤجل خرابه..


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

ساطع نور الدين

ساطع نور الدين

رئيس تحرير جريدة المدن

مقالات أخرى للكاتب