آخر تحديث:07:36(بيروت)
الأحد 07/06/2020
share

طهران-واشنطن:خدمات تحت النيران

حسن فحص | الأحد 07/06/2020
شارك المقال :
طهران-واشنطن:خدمات تحت النيران
يبدو للوهلة الاولى ان المشهد على مستوى الاقليم يذهب باتجاه مواجهة مفتوحة بين الادارة الامريكية والنظام الايراني، خصوصا اذا ما تم التوقف عند التصريحات الحادة والتصعيدية التي صدرت عن اكثر من مسؤول ايراني في الاسبوعين الاخيرين، خصوصا تلك التي ادلى بها رئيس البرلمان الجديد الجنرال محمد باقر قاليباف الذي وجه رسالة واضحة لرئيس الجمهورية حسن روحاني وادارته الدبلوماسية اعتبر فيها أن التفاوض مع واشنطن "مضرٌ" وان المرحلة المقبلة ستكون مرحلة تنفيذ الاستراتيجية التي اقرها الجنرال قاسم سليماني والانتقام لمقتل الذي قامت به واشنطن مطلع هذا العام في العراق. 

وليس آخرها ما تشهده الساحة اللبنانية من جهود لا تخفي واشنطن تأييدها لها وتهدف الى محاصرة حزب الله من خلال التضييق عليه داخليا واقليمياً عبر إعادة تعريف مهمات قرار مجلس الامن الدولي رقم 1701 لوقف الاعمال الحربية بين الحزب واسرائيل، واعادة ضخ الروح في القرار 1559 ولاسيما في البند المتعلق بسلاح الميليشيات، فضلا عن وقوفها – واشنطن – موقف المتفرج على تفاقم الازمة الاقتصادية التي لا تهدد فقط الحكومة التي ساهم الحزب في وصولها، بل تهدد الكيان اللبناني بالسقوط والانهيار من بوابة الازمة الاقتصادية. 

مروراً بما يدور على الساحتين السورية والعراقية وما فيهما من محاولات، قد تكون جادة على العكس من الفترات السابقة، لمحاصرة الدور والنفوذ والوجود الايراني السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي فيهما، خصوصا اذا ما توفقنا عند موعد المحادثات الاستراتيجية والاقتصادية والامنية والثقافية التي من المفترض ان تنطلق في العاشر من الشهر الجاري حزيران/ يونيو بين الخارجية الامريكية والحكومة العراقية على مستوى مساعدي وزيري الخارجية، وما يدور من حديث عن تقليص لوجود عناصر حزب الله والحرس الثوري الايراني في سوريا بشكل واسع وملموس بالتزامن مع عودة التصعيد الاسرائيلي باستهداف مواقع الجماعات الايرانية في سوريا، فضلا عن رفع مستوى الحضور الروسي السياسي بعد خطوة الرئيس فلاديمير بوتين تعيين ممثل خاص له في سوريا لمتابعة مختلف الشؤون الخاصة بالساحة السورية، والتي يمكن تفسيرها بأنها ترجمة إذا جاز التعبير لمعركة التنافس بين الحليفين الروسي والإيراني على مستقبل سوريا والجهة التي سيكون من حقها الجلوس الى طاولة المفاوضات الدولية لتقرير مصير العملية السياسية في هذا البلد وانطلاق خطط إعادة الاعمار والاستثمار، خصوصا وأن الجانب الايراني وحلفاءه سيكونون اهدافاً سهلة لقانون "قصير" للعقوبات على النظام في دمشق في حين ان الطرف الروسي قد يمتلك هامشا من المناورة للتملص من هذه العقوبات، من دون ان يعني ذلك خروجه من دائرة استهداف العقوبات الامريكية المفروضة عليه في ملفات اخرى. 

لكن، في الجانب الاخر للمشهد، نرى ان الرئيس الامريكي الذي، وحسب غالبية التقديرات، يمر في أشد مرحلة من مراحل رئاسته تعقيدا، ويواجه العديد من الأزمات والتراكمات التي تفجرت في المسافة الزمنية الحرجة المتبقية لموعد الانتخابات الرئاسية والتي سمحت لنسبة لا بأس بها من الشكوك حول امكانية عودته الى البيت الابيض لولاية جديدة، نراه يوجه شكراً للنظام الإيراني العدو الحميم على الخدمة التي قدمها له بعد قرار الإفراج عن الجندي الأمريكي السابق مايكل وايت المعتقل في السجون الايرانية منذ العام 2018، في حين سارع رئيس الدبلوماسية الايراني محمد جواد ظريف الى ما يشبه التنصل من هذا الشكر والتصعيد باتجاه واشنطن ووصف فريق ترمب الذي يقف وراء قرار الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض العقوبات على ايران بانه "فريق او حلقة من الحمقى"، في محاولة منه على ما يبدو لاستيعاب اي حملة سياسية داخلية من التيار المحافظ الرافض في الظاهر لاي تفاوض مع واشنطن، خصوصا وان عملية التبادل التي جرت بين الطرفين والتي ساعدت في اسقاط التهم عن الايراني سيروس عسكري واطلاق سراح الطبيب مجید طاهري ووقف ملاحقة المصرفي الإيراني  صدر هاشمي نجاد المدير التنفيذي لبنك مالتوس الدولي عن لائحة التعقب والعقوبات، لم تأت عفو الخاطر او كرماً من ادارة ترمب، بل نتيجة لمسار طويل من التفاوض المباشر بين ظريف وأحد أعضاء مجلس الشيوخ الاميركي، وغير مباشر عبر قناة الخارجية السويسرية التي ترعى مصالح البلدين، ونتيجة ايضا لاقتراح قدمه ظريف قبل اشهر لفصل مسار تبادل المعتقلين عن أزمة الملف النووي من دون ان يسقط دور هذا المسار في تعليق التوتر بين الطرفين وتمهيد الارضية لتوسيع التفاوض حول العقوبات والملف النووي لاحقا. 

التصعيد في بعض الملفات، و"التمرير" والتعاون في ملفات اخرى، يحمل على الاعتقاد بان ما بين الطرفين "ما لا يعلمه الا الله والراسخون في العلم"، وان على الآخرين قراءة المؤشرات، ولعل ابرزها يأتي من العراق الذي حصل على استثناء في العقوبات المفروضة على ايران لمدة 120 يوما في مجال استيراد الغاز لانتاج الطاقة الكهربائية والاستمرار في شراء الكهرباء كهدية للحكومة مصطفى الكاظمي الجديدة وتسهيلاً لعملها وعدم مواجهة ازمة في انتاج الكهرباء على ابواب فصل الصيف، الا ان الامور تطورت الى ما هو أبعد في الزيارة التي قام بها وزير الطاقة الإيراني رضا أردكانيان الى بغداد ليوم واحد والتقى خلالها رئيسي الجمهورية والحكومة والتوقيع على اتفاق لمدة سنتين لشراء الكهرباء من ايران والحصول على دفعة من المستحقات الايرانية السابقة بقيمة 400 مليون دولار، وهو الاتفاق الذي يأتي في وقت يدور فيه الحديث عن تفاهم حصل بين وزير المالية العراقية علي عبدالامير علاوي والحكومة السعودية على الوصل الكهربائي بين البلدين وتزويد العراق بالكهرباء باسعار أقل من السعر الايراني. 

عملية تبادل المعتقلين والتسهيلات في بعض الملفات بين الطرفين يعيد الى الذاكرة مشهد ازمة دبلوماسيي السفارة الامريكية في طهران في 20 يناير 1981، التي استغلتها طهران للتأثير على الانتخابات الامريكية لصالح الرئيس رونالد ريغن على حساب الرئيس جيمي كارتر، وهي اذ تلجأ الى هذا التبادل مع ترمب فانها تريد ان تحافظ على ما تبقى من امكانية تفاهم معه في حال عاد الى البيت الابيض، خصوصا وان ترمب لم يتردد في الذهاب الى ابعد من هذا التبادل عندما دعا طهران للعودة الى طاولة المفاوضات وعدم الرهان على عدم عودته، في حين ردت طهران بانها متمسكة مع دول 4+1 بالاتفاق القائم الذي انسحبت منه واشنطن، في وقت يبدو ان الشروط المتبادلة بين الطرفين اقليميا تمرر من دون الحاجة الى مفاوضات مباشرة، وقد تشكل المباحثات الاستراتيجية الامريكية العراقية ونتائجها مؤشراً جدياً على المنحى الذي ستذهب اليه الامور بين الطرفين. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها