آخر تحديث:18:39(بيروت)
الجمعة 26/06/2020
share

من يطلق صافرة العنف؟

مهند الحاج علي | الجمعة 26/06/2020
شارك المقال :
من يطلق صافرة العنف؟
قبل أيام، حذر وزير سابق من وجوه "الممانعة"، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش، من احتمالات مُظلمة وشيكة في المنطقة، تتراوح بين انهيار أمني وتحلل للدولة ومؤسساتها، وبين صراع على مستوى المنطقة.

طبعاً، التهويل هنا مفيد لقوى "الممانعة"، وهو جزء من عدة الضغط على الطرف الآخر، ويحمل لامبالاة رهيبة بأحوال الناس ويتعاطى معهم كذخيرة أو رهائن. إن لم تُوقف الولايات المتحدة عقوباتها ولم تدفع الدول المانحة لإنقاذ لبنان، قد ينهار البلد (وربما المنطقة بأسرها) ويدخل فوضى أمنية واسعة، وستغزو قوافل اللاجئين أوروبا مجدداً. لن تتأثر قوى "الممانعة" بالعقوبات، لن يطالها أذى، ستصمد. في المقابل، سيجوع الناس ويتدفقون كلاجئين إلى أوروبا.

وهذا تهديد سياسي يسمو فوق معاناة الناس، ويأتي ضمن تبادل الرسائل بين طهران ووكيلها اللبناني من جهة، وواشنطن من جهة ثانية. والحقيقة أن أحداً من الطرفين لا يُبالي بالعواقب وبآلام المدنيين.

والواقع أن هذا التهديد ليس بعيداً، إذ باتت وتيرة انهيار الليرة أسرع من العادة، والتدهور الأمني جدي ووشيك.

لكن كيف بإمكاننا رسم مساره خلال الأسابيع والشهور المقبلة، لو استمر الوضع المالي في تدهوره؟ 3  مسارات أساسية ترتسم أمامنا اليوم. 

أولاً، عمليات القمع التي تقودها أحزاب السلطة ضد المتظاهرين، وتتخللها هتافات طائفية واعتداءات وأعمال نهب. وهذه شرارة لأعمال عنف ستخرج عن سياقها السياسي لتعكس فروقات اجتماعية (واحتقان طبقي)، مثل حرق منتجع الإستراحة في صور العام الماضي.

ثانياً، العنف الطائفي الموجّه، وهذا الأكثر تفضيلاً لدى أركان السلطة، قادة الميليشيات وعرّابي الحرب الأهلية (1975-1990)، إذ بالإمكان ضبطه واستثماره سياسياً وابعاد خطره عمّن تولى سدة المسؤولية وعاث فساداً في إدارات الدولة وأموال الناس خلال العقود الماضية. ليس هذا العنف حرباً أو مواجهات تقليدية، بل اشتباكات متقطعة وموسمية يتخللها ادعاء بـ"حماية" الطوائف، ما يُحول الأمن الى سلعة ريعية تُوفّر للأتباع ويُحرم منها الخصوم والمعارضون حتى تطويعهم (غالباً، يُشكل هؤلاء السواد الأعظم من ضحايا العنف والتهديد به بين أبناء الطائفة نفسها). وعنف يوم السادس من حزيران (يونيو) الجاري يندرج في هذا السياق، إذ تُتيح الاشتباكات على محاور "ممسوكة" من أحزاب السلطة، تفريغ الاحتقان الحاصل وتوجيهه، بدلاً من انفلات أفقي سيعجز الجميع عن إدارته. المحاور المسيحية-المسلمة هي الأكثر انضباطاً مثل "عين الرمانة-الشياح" حيث يُمسك الأمن حزبان أساسيان لم تنقطع يوماً قنوات التواصل بينهما، وبالتالي بإمكانهما الاتفاق على العنف وعدد الضحايا مسبقاً، إذ لديهما من الخراف ما يكفي للأضاحي.

يبقى أن الجبهات السنية-الشيعية التي اشتعلت في فصول سابقة (عنف 2005-8 وعنف 2012-5)، ومنها بربور-كورنيش المزرعة وقصقص-الطيونة وأكروم-القصر وسعدنايل-تعلبايا وجنوباً في صيدا، غير واضحة المعالم على الجانب السُني، وقد تستقطب في حال اشتعالها أطرافاً غير مشاركة في السلطة. وهذا مُتغير تأخذه الأطراف كلها على محمل الجد، إذ يفتح الساحة أمام احتمالات غير منضبطة.

ثالثاً، الانفلات الأمني "العمودي". وفقاً لإحصاءات حصلت عليها "الدولية للمعلومات" من وزارة الداخلية، شهدت الشهور الأربعة الأولى من هذا العام، ارتفاعاً في نسب الجريمة مقارنة بالفترة ذاتها العام الماضي، إذ تضاعفت جرائم القتل مرتين وتصاعدت سرقات السيارات بنسبة 50٪ وسرقات المنازل بنسبة 20٪. وبحسب إحصاءات غير رسمية، سجلت الشهور الماضية ارتفاعاً قياسياً أيضاً بنسب هذه الجرائم.

والواقع أن الجريمة والفوضى والعنف المرافق لهما ليسوا عملاً عبثياً، بل نتيجة طبيعية لنموذج اقتصادي احتكاري خلق هوة هائلة بين الفقراء والأغنياء، لا مثيل لها على سطح هذا الكوكب اليوم. دراسة ثوماس بيكيتي وليديا أسود وفاكوندو ألفاريدو قبل سنوات قليلة، عن هذه الهوة كانت صادمة، لجهة اكتشافهم أن حُصة أثرى 10 في المئة من سكان لبنان، تُوازي 61 في المئة من الدخل الوطني. وهذه الحصة ذاتها هي 36 و47 و55 في المئة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة والبرازيل، تباعاً. وفي ذلك الشطر من العالم، على عكس بلادنا، تحوّل انعدام المساواة إلى عنوان في السياسة والاحتجاج يتقاطع مع العنصرية وتاريخ مُظلم من العبودية.

صحيح أن العوز دافع أساسي للجريمة. لكن العنف هنا أيضاً وسيلة للصعود من عالم الفقر والعوز المُقفل، ولاختراق شبكة الاحتكارات وعائلات الاقطاع والسياسة والوكالات الحصرية. سينشأ من هذا الركام اقتصاد حربٍ موازٍ لن يكون أركانه أصحاب المصارف والمؤسسات والكارتيلات الاحتكارية، بل بعض من أسفل السلم الاجتماعي وأكثره حرماناً. في لبنان، العنف والبلطجة وحدهما يُتيحان الارتقاء على السلم الاجتماعي.

من الصعب التنبؤ بمنسوب العنف المقبل وكيفية توزعه على هذه المستويات الثلاثة، لكن المؤكد أن أياً منهم لن يكون عبثياً. كل حركة ستصب في مكانها المطلوب.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب