آخر تحديث:16:31(بيروت)
الجمعة 19/06/2020
share

الفلسفة الدموية للعقوبات

مهند الحاج علي | الجمعة 19/06/2020
شارك المقال :
الفلسفة الدموية للعقوبات
وفقاً للسرديات المؤيدة للعقوبات، سيُؤذي قانون "قيصر"، النظام السوري ويُصيبه في مقتل، إذ يمنع التعامل معه، وهو الممسك بالاقتصاد، ويستهدف قطاعات بأسرها (مثل الانشاءات) ويحرم البلد بأكمله من العملات الصعبة. بحسب المنطق ذاته، ستنتقم العقوبات الأخيرة لعشرات آلاف الضحايا السوريين ممن قضوا في أقبية التعذيب أو في قصف النظام وحلفائه على المدنيين. لكنها أيضاً تتجاوز في مفاعيلها الانتقام، وقد تدفع النظام إما إلى  الإنهيار أو التنازل سياسياً أمام خصومه في المفاوضات الجارية حالياً.

الواقع أن علينا درس العقوبات من زاويتين. الأولى والأهم هي دوافع فرض العقوبات كخيار للمواجهة مع النظام السوري، والثانية هي واقعية النتائج المرجوة منها.

في الأولى، تأتي العقوبات لتُعلن غياب الخيارات الأخرى بأسرها. على سبيل المثال، لا تريد واشنطن التورط في عمل عسكري مُكلف بشرياً ومادياً، ولا ترغب حتى في دعم المعارضة السورية (غير الجهادية) أو تسليحها (بصواريخ أرض-جو مثلاً مما يُبدل المعادلة على الأرض)، أو مساعدة عملياتها من خلال تأمين غطاء جوي. بالعادة، وعندما لا يريد الرئيس الأميركي المخاطرة بجنود بلاده في حرب جديدة، يلجأ إلى العقوبات. هكذا، تأتي العقوبات كخيار سياسي كسول. ليست العقوبات من بنات عبقرية الإدارة الأميركية وجُرأتها كما يدعي "الخبراء" المحسوبون عليها في السياسة. ومؤشرات هذا الكسل الممزوج باللامبالاة، تظهر واضحة في اقتراحات لجنة الدراسات في ​الحزب الجمهوري​ في ​الكونغرس الأميركي​ في استراتجيتها للأمن القومي تحت عنوان "تقوية أميركا ومواجهة التهديدات العالمية". تخيلوا أن اللجنة اقترحت فرض عقوبات على وزير الخارجية اللبنانية السابق فوزي الصلوخ ابن الـ89 عاماً والذي أنهى ولايته قبل 11 عاماً. أليس في حوزتهم اسم جديد لرجال أعمال مثلاً ممن يدعمون الحزب أو ايران أو النظام السوري؟ هل تستعمل الإدارة الأميركية محركات البحث على الانترنت للحصول على أسماء أعدائها؟

ثانياً، هذا الكسل واللامبالاة ينسحبان على نتائج العقوبات أيضاً. في القانون، جُملة إدعاءات مُعلنة وغير مُعلنة. ومن المفيد هنا مراجعة الدراسات في مجال العقوبات، مثل كتاب الأكاديمي لي جونز (مجتمعات تحت الحصار، الصادر عن دار جامعة أكسفورد عام 2015). في كتابه الممتاز الذي يُقارن نتائج العقوبات في دول بينها العراق (لم يسقط النظام لكن ارتفعت نسبة وفيات الأطفال) وميانمار (بورما) وجنوب افريقيا، يستعرض جونز مجموعة حجج لفرض العقوبات أساسها أن الوجع الاقتصادي يستحيل في نهاية المطاف مكاسب سياسية (الحرمان المادي سيتحول إلى رضوخ في السياسة). جونز يكتب عن زيف ادعاءات دراسة أكاديمية مؤيدة للعقوبات أجراها 3 أكاديميين (هوفباور وشوت وإليوت، 1985) يدعيان فيها نجاح العقوبات في ثلث الحالات. وكان هؤلاء الأكاديميون من المتحمسين لفرض عقوبات قاسية على العراق بعد غزو الكويت عام 1990. لكن في الدراسة خللاً أساسياً يتمثل في حقيقة أن حالات النجاح المذكورة ترافقت مع تهديد بالعمل العسكري أو اللجوء اليه (إحتسب الأكاديميون العمل العسكري ضمن نجاحات العقوبات)، وفقاً للأكاديمي روبرت بابي. بابي يضع نسبة النجاح الحقيقية عند 5 في المئة فقط.

نسبة النجاح هنا منخفضة، وهي مشروطة بعوامل عديدة كما يُبين كتاب لي جونز. إذا كانت هناك طبقة وسطى وكتلة سياسية حاكمة غير متجانسة، كما كان الحال في جنوب افريقيا، بإمكان العقوبات الدفع باتجاه انشقاقات وتعديل التركيبة الداخلية للنظام، بما يؤدي الى التغيير في نهاية المطاف. لكننا في الحالة السورية، كما في العراق، أمام نظام شمولي بات أغلب قياداته العسكرية والسياسية ورجال أعماله إما ملاحقين دولياً أو تحت العقوبات الأوروبية والأميركية. ومن يُفكر منهم بالانشقاق أو الفرار، يتعرض للاغتيال أو الملاحقة داخلياً. في مثل هذه الحالات، انعكاسات خطيرة للعقوبات على المجتمعات المحلية.

بكلام آخر، سيناريو الانشقاقات على مستوى المجموعة الحاكمة مستبعد. يبقى أن يتحرك الشارع السوري في مناطق النظام ضده، بعد أن يفوق الوضع الاقتصادي قدرة المواطن السوري على التحمل. يجوع السوريون ثم يتدفقون الى الشارع لإسقاط النظام. بحسب هذا المنطق الذي يرد دوماً في تبرير العقوبات، سيسقط النظام السوري في الشارع. فعلاً؟ هذا النظام أطلق جنوده الرصاص الحي على المتظاهرين، وإتهمهم بالارهاب واعتقلهم بالآلاف وقتلهم في أقبية التعذيب.

بكلام آخر، انشق ضابط سوري وفرّ ومعه آلاف الصور لضحايا النظام من المتظاهرين والمعارضين له ممن قضوا تعذيباً. وكرد فعل على هذه الصور الشنيعة، أصدر الكونغرس الأميركي قانوناً من أهدافه الضمنية الدفع بالسوريين للتظاهر والدخول مجدداً إلى أقبية التعذيب. ومن أولى نتائج القانون، ارتفاع سعر صرف الليرة السورية، ومعه كلفة شراء السلة الغذائية للمواطن السوري. عملياً، سيدفع القانون ما تبقى من السوريين الى الموت تعذيباً في أقبية النظام أو الجوع، وربما الاثنين معاً، فكيف يحمل اسمه عبارة "حماية المدنيين"؟ أليس ذلك غريباً؟

أحد المسؤولين الأميركيين الحاليين المكلفين ملف العقوبات، استخدم أكثر من مرة في أحاديث مع صحافيين أوروبيين، تعبير "العلاج الكيماوي" في توصيف سياسة العقوبات. لن تكون هذه السياسة موضعية، ستستهدف الجسد بأسره، قد يتساقط الشعر والأسنان والأعضاء، ومعها يتقلص الورم. لكن في هذه الحالة، الأرجح أن الورم لن يزول، حتى لو سقط كل ما دونه.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مهند الحاج علي

مهند الحاج علي

كاتب وصحافي لبناني

مقالات أخرى للكاتب

السودان وحيداً وحيداً الثلاثاء 30/06/2020
من يطلق صافرة العنف؟ الجمعة 26/06/2020
مصر أمام حربين الإثنين 22/06/2020
المزيد