آخر تحديث:08:12(بيروت)
الأربعاء 06/05/2020
share

آمال عون الروسية

بسام مقداد | الأربعاء 06/05/2020
شارك المقال :
آمال عون الروسية
الإطلالة الأولى لإعلام الكرملين على انتفاضة اللبنانيين الخريف المنصرم ، كانت بعد ثلاثة أيام على انطلاق الإنتفاضة ، حين حددت  صحيفة الكرملين الإنتفاضة ، بأنها "نزاع جديد في الشرق الأوسط يهدد مصالح روسيا" . وتساءلت الصحيفة يومها ، ما إن كانت الأزمة السياسية ل"جيران بشار الأسد" في  لبنان ، تهدد بتدمير السلام الهش بين الطوائف . كما تساءلت أيضاً عن القوى ، التي تقف وراء الأزمة اللبنانية الجديدة ، وما هي خطورة "الإضطرابات" في بيروت على المنطقة ككل ، وهل تستطيع روسيا "المصلح الشرق أوسطي الرئيسي"  التأثير على الوضع المستجد. 

لم تخرج الإطلالات النادرة لإعلام الكرملين على الحدث اللبناني لاحقاً ، عن السياق هذا ، الذي رسمته صحيفة الكرملين "vz" في مقالتها تلك . واستمر هذا الإعلام في مشاركة السلطة اللبنانية البحث عن "القوى الخارجية"، التي تقف وراء انتفاضة اللبنانيين ، وعن دور لروسيا في الحدث اللبناني . وتكلل مسار الكرملين في انحيازه للسلطة اللبنانية في معارضة إنتفاضة اللبنانيين ، بمنح بوتين يومها وسام الصداقة  الروسي لمستشار الرئيس ميشال عون ، النائب أمل ابو زيد . واستقوى العونيون بالإنحياز الروسي هذا ، وحملوا في تظاهرتهم إلى بعبدا (4/11/2019) صور بوتين مع لافتات تهدد خصومهم اللبنانيين بقدوم بوتين إليهم .
  

الإطلالة الأخيرة لإعلام الكرملين على الحدث اللبناني ، جاءت الإثنين في الرابع من الشهر الجاري ، عبر مقابلة أجرتها وكالة نوفوستي مع الرئيس عون ، وعنونتها "ميشال عون : لبنان يعول على مساعدة روسيا في الإقتصاد والطب" . عدا "التعويل" على المساعدة الروسية في عملية تثبيت إستقرار الإقتصاد  اللبناني ، لم يأت عون بجديد ، بل تحدث عن محاولات الغرب "بكل قواه" إبقاء اللاجئين السوريين في لبنان ، وكيف تحاول قوى سياسية لبنانية إستغلال الوضع المتأزم ، وعن الخطوات ، التي اتخذت من أجل استعادة إستقرار الأوضاع. وبعد أن تحدث عون عن جوانب ثلاثة للأزمة وضع في مطلعها وجود اللاجئين السوريين في لبنان ، إلى جانب أزمة إقتصادية خانقة والصراع ضد وباء الكورونا ، قال عون بأن روسيا بوسعها أن تساعد لبنان بقروض ميسرة قصيرة الأجل . وقال بأنه واثق من أن "صوتنا" سيصل إلى "أصدقائنا في روسيا" ، وأكد بأن  المسؤولين الرسميين الروس على اطلاع  كلي على مشاكل لبنان واحتياجاته ، ومتأكد من أنهم سيتخذون ، في القريب العاجل ، القرار المناسب بشأن مساعدة لبنان . 

وحول ما بلغه التعاون الروسي اللبناني في مسألة اللاجئين السوريين ، قال عون بأن لبنان على تواصل مع روسيا بهذا الشأن ، خاصة بعد المبادرة المقترحة لعودة المهجرين إلى وطنهم . لكنه يأسف لاصطدام هذه المبادرة بعقبات دولية ، ويعتبر أن لروسيا ولبنان نظرة متشابهة لمسألة المهجرين السوريين ، ويأمل بأن يساعد هذا التشابه في تغيير السعي الدولي لإبقاء المهجرين في البلدان ، التي نزحوا إليها ، بانتظار الحل النهائي للأزمة السورية . لكن هذا الحل ليس قريباً ، برأيه ، مما سيؤدي إلى عواقب كارثية على لبنان ، تماماً كما الفلسطينيين ، الذين ينتظرون حل القضية الفلسطينية منذ 75 عاماً . 

وحول ما تردد سابقاً من أنباء عن استعداده لزيارة سوريا من أجل معالجة مسألة المهجرين ، وإذا ما كانت هذه الزيارة لا تزال مطروحة ، قال عون بأنه تشكلت لديه قناعة ، بأن عودة المهجرين إلى بلدهم ، مرتبطة بقرار دولي جدي ، وليست متوقفة على زيارته لسوريا . وقال بأن المجتمع الدولي يقارب هذه القضية بخبث ، إذ أنه يستغلها لإبقاء المهجرين "قنبلة" في البلدان المجاورة لسوريا ، حتى لو أدى ذلك إلى تقويض المجتمع والأمن والإقتصاد في بلد مثل لبنان . فهم لا يريدون تقاسم المسؤولية عن المهجرين مع هذه البلدان ، على الرغم من الإمكانيات الكبيرة ، التي يتمتع بها بعض بلدان أوروبا والولايات المتحدة . 

لا ينسى عون المرور على كل المقولات ، التي يعرفها اللبنانيون ، بشأن منافسة العمالة السورية للعمالة اللبنانية ، وما ورثه من مشكلات السنوات الثلاثين الماضية ، وعرقلة جهوده الإنقاذية  من قبل قوى سياسية لا تفكر إلا بمصلحتها. وبشأن النفط والغاز ، يقول بأن العائدات منها ليست متوقعة إلا بعد سنين طويلة ، في حين أن لبنان بحاجة إلى المساعدة الآن . وعن محاربة الفساد ، ودون أن يذكر احتجازه ملف التشكيلات القضائية ، يقول بأن الخطوة الأهم في هذا المضمار ، تتلخص في إطلاق يد القضاة في ملاحقة كل قضية على حدة ، وفي تحرير عمل القضاة من التدخلات السياسية المتواصلة منذ مئة عام . ويتوقف عون عند سؤال خاص حول إمكانية جبران باسيل إشغال كرسي الرئاسة بعده ، ويقول بأن جبران باسيل يتمتع بخبرة كبيرة في العمل السياسي ، وتتوقف إمكانية اختياره لشغل الكرسي الرئاسي على البرلمانيين ، الذين يختارون الأفضل لهذا المنصب . 

يبدو أن عون ، وهو يعقد الآمال على روسيا ، ويطلب دعمها المالي ومساعدتها في عودة المهجرين السوريين ، قد غض الطرف عن الوضع الإقتصادي الصعب ، الذي يمر به الكرملين حالياً ، في ظل تفاقم انتشار وباء فيروس الكورونا المتجدد ، وانهيار أسعار النفط ، وما يمر به أيضاً من توتر في علاقاته بالنظام السوري . وقد لا يكون عون ، وهو يناشد الكرملين مد يد المساعدة في سوريا ، قد تسنى له متابعة الرسائل المتعددة ، التي دأب الكرملين على إبلاغها الأسد في الأسابيع الأخيرة ، والتي بقيت دون جدوى ، أقله حتى الآن . 

في سياق الحديث عن الرسائل تلك، التي قد يكون فات عون متابعتها لانشغاله في معاركه المتواصلة مع معظم القوى السياسية اللبنانية ، قد تكون الرسالة الأوضح من بينها كلها ، تلك المقالة ، التي كتبها ألكسندر أكسينيوك ، سفير روسيا فوق العادة ، الذي عمل في دمشق إبان حكم حافظ الأسد . وأكسينيوك هذا هو نائب رئيس المجلس الروسي للعلاقات الخارجية  ، الذي أسسته وزارتا الخارجية والدفاع الروسيتين ، ووكالتا أنباء نوفوستي وإنترفاكس وإتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس ، ويتولى وزير الخارجية سيرغي لافروف منصب نائب رئيس مجلس أمنائه. 

نشر أكسينيوك مقالته في موقع المجلس المذكور ، وفي صحيفة "komerssant" ، إحدى كبريات الصحف السياسية الروسية ، بعنوان "الحرب ، الإقتصاد ، السياسة في سوريا : حلقات متباعدة" ، دعا فيها القيادة السورية إلى تقويم الوضع  الراهن في سوريا بعقلانية ، ومغادرة الحرب وسيلة وحيدة للخروج من المأساة السورية ، والانضواء فيي مسار التسوية السلمية مع المعارضة . وبعد أن يوجه الرجل إنتقادات لاذعة ورصينة للنظام السوري ، على ما يسود المناطق التي تقع تحت سلطته ، من فلتان وتشبيح وغياب القانون وفرض خوات من المخابرات وضباط الجيش السوري على التجار ورجال الأعمال ، يقول إن السلطة في دمشق ، وحسب تقويم إقتصاديين سوريين بارزين ، فشلت في استعادة التحكم بالحياة الإقتصادية في مناطق متفرقة . 

ويعتبر الرجل ، أن الأزمة المالية في لبنان وجهت ضربة قوية للإقتصاد السوري ، حيث القطاع المصرفي اللبناني يلعب دائماً دور"البوابة على العالم الخارجي" للنظام السوري . ويرى أن حوالي ربع ودائع المصارف اللبنانية يملكه البيزنس السوري ، بما فيه البيزنس المرتبط بالحكومة . ويقول بأن فرض قيود نقدية في لبنان ، قد عرقل صفقات المستوردات السورية من السلع الاساسية ، بما فيها القمح ، ودمر سلسلة مستوردات قطع الغيار ، وأدى إلى إرتفاع حاد في الأسعار . 

وهكذا يتبين من كلام أكسينيوك ، ومما ورد على لسان حاكم المصرف المركزي اللبناني رياض سلامة من تمويل مشتريات لغير حاجة السوق اللبنانية ، أن الأزمة اللبنانية تشد خناقها ليس على عون فحسب ، بل وعلى الأسد أيضاً .  ومن المستبعد أن يتمكن الكرملين ، في ظل وضعه الحالي المأزوم أيضاً ، من أن يحقق الآمال ، التي يعقدها عليه ، ليس عون فحسب ، بل والأسد أيضاً ، مع الفارق الكبير بين حجم تلك الآمال ووجهة توظيفها. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب