آخر تحديث:08:47(بيروت)
الأحد 03/05/2020
share

ايران: المغامرة حتى المقامرة

حسن فحص | الأحد 03/05/2020
شارك المقال :
ايران: المغامرة حتى المقامرة
الرهانات الايرانية على التمايز داخل البيت الامريكي يبدو انها بدأت تصل الى حدود الحائط المسدود قبل ان تصطدم به. من المؤكد ان النظام الايراني وإدارته الدبلوماسية ستكون مجبرة على اعادة حساباتها في التعامل مع الضغوط الامريكية في المرحلة المقبلة، خصوصا في ظل المساعي التي تبذلها واشنطن وادارة الرئيس دونالد ترامب لتمديد الحظر على الاسلحة التقليدية الذي جاء في الاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 الذي صادق على إتفاق  دول مجموعة 5+1 والاتحاد الاوروبي مع ايران في تموز/ يوليو 2015، والذي يتضمن انهاء الحظر على بيع وشراء ايران للاسلحة التقليدية في تشرين الاول أكتوبر من هذه السنة 2020. 

أن يقوم نحو 90 في المئة من اعضاء الكونغرس الامريكي الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، اي 382 عضوا من اصل 429 عضوا بالتوقيع على رسالة تطالب ادارة البيت الابيض بالعمل على تمديد حظر الاسلحة الذي ينتهي في اكتوبر المقبل، فهذا يعني ان على النظام الايراني اعادة حساباته في التعامل مع هذه الادارة وعدم الركون الى امكانية اللعب على التناقضات بين الحزبين المتنافسين، أو الرهان على عودة واشنطن الى الاتفاق النووي في حال استطاع المرشح الديمقراطي الفوز في الانتخابات على ترامب والامساك بالسلطة على حساب الجمهوريين.

وفي ظل رغبة الطرفين بعدم الانزلاق الى حرب عسكرية مباشرة، من دون استبعاد امكانية الاشتباك على مساحات التماس بينهما ان كان على الساحة العراقية او مياه الخليج، فان المواجهة السياسية بين الطرفين تبدو مرشحة لمزيد من التصعيد مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الامريكية وحاجة الرئيس ترامب لاظهار ادارته في موقف متشدد  تجاه ايران، من هنا فان الرهان الامريكي بالعودة الى مجلس الامن الدولي لاصدار قرار جديد حول تمديد حظر الاسلحة التقليدية بيعا وشراء بما يتعارض مع نص الاتفاق النووي والقرار 2231 ومن دون تحديد سقف زمني، سيكون مسارا معقدا يتطلب الكثير من المساومات والتنازلات وحتى الدخول في معارك سياسية واقتصادية وظيفتها تعبيد الطريق امام مجلس الامن لاقرار مثل هذا القرار، خصوصا وان واشنطن بحاجة الى تسعة اصوات من اصل خمسة عشر صوتا هم اعضاء المجلس الدائمين وغير الدائمين لتمريره في حال لم تستخدم كل من موسكو وبكين حق النقض الفيتو وسمحت باقراره من دون معارضة او اعتراض. 

من هنا يبدو ان مهمة طهران شاقة في معركتها الدبلوماسية مع واشنطن، فهي بحاجة الى اقناع العواصم الغربية الدائمة العضوية في مجلس الامن والمانيا ومعهم الاتحاد الأوروبي الشركاء في الاتفاق النووي بعدم تبني الموقف الامريكي، خصوصا وان هذه الدول طالما اعلنت التزامها بالاتفاق ولم توافق على مجاراة الموقف الامريكي باعلان الانسحاب من الاتفاق النووي. الا ان مؤشرات اوروبية غير ايجابية بدأت تصل الى طهران ترفع من نسبة المخاطر بأجواء غربية قد تتبنى الموقف الامريكي في مجلس الامن، أولها جاء من ألمانيا التي اتخذت خطوة تصعيدية بوضع حليف ايران الاول في الشرق الاوسط حزب الله اللبناني على قائمة المنظمات الارهابية بشقيه السياسي والعسكري، وهي خطوة استثارت طهران ودفعتها لرفع الصوت والتلميح بمواقف غير ودودة مع برلين في المرحلة المقبلة جراء هذا القرار. 

واذا ما كان الموقف الألماني لا يعطي طهران انطباعا ايجابيا عن ما ستواجهه خلال الاشهر القليلة المقبلة، فان الموقف الفرنسي لم يكن اكثر ايجابية، فعلى الرغم من  إعلان المتحدث باسم الخارجية الفرنسية تمسك بلاده بالاتفاق النووي ومفاد القرار 2231 الصادر عن مجلس الامن وما جاء فيه من انهاء حظر الاسلحة التقليدية على ايران، الا انه اعتبر ان رفع هذا الحظر "قد يؤدي احتمالا الى تأثيرات غير ايجابية على اوضاع الامن في الشرق الاوسط واستقراره". 

وعليه فإن الرهان الايراني سيتمحور حول تثبيت الموقفين الروسي والصيني داخل مجلس الامن بناء على المسار الطويل المشترك الذي جمع بينهم على مدى السنوات الماضية، واذا ما كانت مساحات الاشتباك بين موسكو وبكين من جهة وواشنطن من جهة اخرى تبدو كبيرة ومتشعبة ومعقدة، الا ان تجربة الطرفين في مجلس الامن في الملف الايراني لا تبدو مشجعة، خصوصا وانهما سمحا بتمرير اربعة قرارات سابقة أسست لفرض عقوبات اقتصادية خانقة ضد طهران في مرحلة ما قبل الاتفاق النووي، وهي مواقف جاءت نتيجة لصفقات مصالح مع واشنطن سمحت للاخيرة في تضييق الخناق على النظام الايراني وجلبه الى طاولة المفاوضات ومن ثم الاتفاق النووي. 

من جهتها ادارة الرئيس ترامب لا تبدو متشائمة من نتيجة الجهود التي ستبذلها لحشد التأييد الدولي لقرارها مع الاعتراف بصعوبته وتعقيده، وهو ما يحمل على الاعتقاد بإمكانية توظيف المعارك السياسية والاقتصادية و"الكورونية" التي تقوم بها هذه الادارة في التعامل مع كل من موسكو وبكين، من ناحية تبدو موسكو متعجلة في الانتقال الى مرحلة تثبيت الحل السياسي في سوريا تمهيدا لتثبيت مواقعها في منطقة الشرق الاوسط وإطلاق عملية اعادة الاعمار والبناء، ومدى حاجتها لتعاون ايجابي من واشنطن لتحقيق ذلك، وبالتالي فان الرئيس ترمب لن يكون في حرج اذا ما عقد صفقة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين من اجل تمرير القرار ضد ايران مقابل تعاون ايجابي في سوريا. والرسالة الخطية التي بعثها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الى نظيره الايراني محمد جواد ظريف لا تجزم بعدم امكانية حدوث مثل هذه الصفقة، بل تحاول التأكيد للجانب الايراني باستمرار التعاون الثنائي، ما يعني أن طهران بدأت تشعر بامكانية تغيير في موقف موسكو نتيجة لتراكمات متعددة ابرزها في الملف السوري وما يدور من حديث حول خلافات بينهما حول مستقبل سوريا ودور كل منهما في هذا البلد. في المقابل فان بكين قد تذهب الى صفقة مع واشنطن تخفف من الحملة السياسية والاقتصادية التي يقودها ترامب ان كان في الموضوع الاقتصادي او في تحميلها مسؤولية تفشي وباء كوفيد19 ومطالبتها بدفع تعويضات مالية ضخمة جراء الخسائر البشرية والاقتصادية التي لحقت بالمجتمع الامريكي، وبالتالي فان امكانية دخول بكين في صفقة مع واشنطن تتضمن وقف التصعيد الاقتصادي وفرض الضرائب ووقف الحملات الاتهامية لها بسبب وباء كورونا يبدو ممكنا على حساب طهران وتمرير القرار في مجلس الامن. خصوصا وان موسكو وبكين لن يساورهما القلق على مستقبل التعاون الاقتصادي مع ايران التي تعتبر هذين البلدين القنوات الاساسية للالتفاف على العقوبات الامريكية. 

فهل ستذهب طهران الى خيارات تصعيدية امنية لمواجهة هذه الموجة الجديدة من الضغوط والحصار الامريكي قبل موعد الانتخابات في واشنطن، وهل تشكل التحرشات العسكرية التي تقوم بها في مياه الخليج والتحشيد العسكري والامني ضد الوجود الامريكي في العراق مؤشرات على هذا التوجه؟ قد يذهب النظام الايراني في ظل ما يواجهه من ضغوط داخلية وخارجية للدخول في مغامرة كبيرة يقامر فيها بكل ما في يده من أرواق من اجل الحفاظ على بقائه واستمراره. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها