آخر تحديث:07:25(بيروت)
الأحد 24/05/2020
share

إيران تخرق الحصار بيوم القدس

حسن فحص | الأحد 24/05/2020
شارك المقال :
إيران تخرق الحصار بيوم القدس Getty©
كان لافتا حديث امين عام حزب الله عن العراق وعدم القطع في كلامه حول حدود واتساع النفوذ الإيراني في هذا البلد، واعترافه بصعوبة التأكيد بوجود سيطرة وهيمنة إيرانية واسعة وشاملة على هذه الساحة، وأن الأمور تفرض التعامل بكل موضوعية مع التعدد والتنوع العراقي بما يسمح بالاعتراف بوجود اتجاهات وتوجهات لا تخدم الرؤية الايرانية في العراق التي تسعى لدمجه بالكامل في محور الممانعة والمقاومة. وهو موقف يمكن القول انه يحاول ويسعى للاعتراف بالتعقيدات العراقية وتراجع القبضة الايرانية امام المستجدات التي يمر بها المشهد العراقي، على العكس  مما كان عليه الموقف قبل نحو ستة أشهر وتحديدا قبل عملية اغتيال الجنرال قاسم سليماني، والتأكيد حينها ان طهران استطاعت دحر النفوذ الأمريكي في العراق وتحقيق غلبة عليه من خلال فرض رؤيتها وكانت صاحبة الكلمة الاخيرة في فرض من يتولى الرئاسات الثلاث فيه. وهو موقف ينسجم مع التطورات السياسية الاخيرة في هذا البلد ويدفع على الاعتقاد بأنها محاولة تراجع او اعتراف بالتراجع تكتيكي بانتظار توظيفه في الإطار الاستراتيجي الذي يخدم المصالح الكبرى للمحور الإيراني في المنطقة.
 

في سوريا شهدت الاسابيع الاخيرة تحركاً ايرانياً مدعوماً من حلفائها باتجاهين، الاول تنفيذ إعادة انتشار لعناصر القوات الحليفة في غالبية المناطق السورية وصولا الى الحدود مع العراق بحيث دفعت البعض للمراهنة على امكانية الخروج الكامل من سوريا في ظل ما أشيع عن امكانية حصول تفاهم روسي امريكي حول ذلك وتحت ضغط التصعيد الاسرائيلي لعمليات استهداف المواقع التابعة لحرس الثورة والفصائل التابعة له على امتداد الجغرافيا السورية. والثاني العودة الى التمدد باتجاه مناطق الجنوب السوري وما يعنيه ذلك من رفع منسوب القلق الاسرائيلي من وجود هذه العناصر والقوات على الحدود الشمالية لفلسطين الذي يتعارض مع اتفاقيات سابقة جرت بين حكومة تل أبيب والجانب الروسي الذي قدم ما يمكن تسميته بضمانات تكفل ابعاد هذه العناصر عن الشريط الحدودي الى عمق 80 كيلومترا باتجاه الشمال. 

العودة إلى استخدام الادبيات ذاتها في ما يتعلق بالموضوع الفلسطيني التي استخدمت عام 1993 بعد التوقيع على اتفاق أوسلو والموقف من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، حيث لم يتردد المرشد الايراني آية الله علي خامنئي حينها في وصف عرفات بـ"الخائن" في خطابه بمناسبة يوم القدس، ثم عاد واستخدمه حينها الرئيس الايراني الاسبق البراغماتي هاشمي رفسنجاني. وقد استعاد المرشد  في خطابه الاخير الموقف نفسه وبلغة تقترب من حدود العودة الى الوصف نفسه باسلوب اكثر دبلوماسية الا أنها تفي بالمطلوب والمقصود عندما اشار الى ان "الفصائل الفلسطينية المناضلة هي أيضاً بعد أن قامت بعمليات جهادية وقدمت تضحيات على هذا الطريق في السنوات الأولى، انجرّت بالتدريج إلى نهج خائب في إجراء محادثات مع المحتل وحماته وتركت نهجها الذي كان يستطيع أن ينتهي بتحقيق الآمال الفلسطينية. المحادثات مع أمريكا والدول الغربية الأخرى، وكذلك مع المجتمعات الدولية عديمة الفائدة هي تجربة مرة خاسرة في مسار قضيّة فلسطين. غصن الزيتون في الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تكن له نتيجة سوى اتفاق أوسلو الخاسر، ثم انتهى أيضاً بمصير ياسر عرفات ومافيه من عِبَر. في مسار يتعارض مع الجهود التي بذلها نصرالله قبل سنتين في يوم القدس بالتزامن مع الكشف عن صفقة القرن وهو الحليف الاول والاهم لإيران في المنطقة والتي ترجمت بعقد اللقاءات مع قيادات الفصائل الفلسطينية ومن ضمنها حركة فتح والشعار الذي رفعه في احتفالية يوم القدس ذلك العام والذي يعتبر من خصوصيات الراحل عرفات "عالقدس رايحين ثوار بالملايين" والذي اعتبر حينها تحولاً جوهرياً في موقف الحزب والمحور الذي يمثله في ما يتعلق بالساحة الفلسطينية ومحاولة التأسيس لأسلوب مختلف ومتقدم في التعامل مع الواقع الفلسطيني.  

يبدو ان القيادة الايرانية تعتقد ومن خلال ما تواجهه من مواقف دولية متشددة في التعامل مع مختلف الملفات التي تعنيها في المنطقة بأن الأمور قد تذهب باتجاه تكريس حلول للأزمات التي يعيشها الإقليم بعيدا عن الأخذ بموقعها ودورها ونفوذها، وان محاصرة هذا الدور تصب في إطار الجهود الرامية لفرض حلول من دون الأخذ بعين الاعتبار أي دور لها، من هنا يأتي العودة الى تنشيط الموقف في القضية الفلسطينية التي تعتقد انها الحلقة الاساس في تحقيق نفوذها ودورها اقليميا، وذلك من خلال المشهدية التي ظهرت من خلال اللقاءات المتلفزة او المؤتمر المصور عن بعد الذي جمع قيادات ورموز القوى الحليفة لايران في المنطقة من العراق وسوريا واليمن والبحرين ولبنان وفلسطين، ثم الدعوة التي أطلقها المرشد  لتوسيع دائرة المواجهة العسكرية بين الفصائل الفلسطينية وقوات الاحتلال الاسرائيلي لتشمل الضفة الغربية في مؤشر على نية طهران بالانتقال الى مرحلة متقدمة من الضغط على الادارة الامريكية وتل أبيب من مغبة الذهاب إلى أي تسوية لا تأخذ بعين الاعتبار المصالح الإيرانية، وإعلان الاستعداد للتخلي عن التهدئة التي التزمتها في الضفة الغربية ومراعاة موقف السلطة الفلسطينية فيها، وتحويل الضفة والانتقال بها الى وضع يشبه الوضع القائم في قطاع غزة بحيث تربك المشاريع الاسرائيلية بالضم او حتى بالاحتلال، وما يعنيه من انهاء ما تبقى من دور للسلطة ومنظمة التحرير. 

العودة الايرانية الى محاولة تجميع الأوراق الإقليمية على النصاب الفلسطيني، يعزز الاعتقاد بان طهران بدأت تشعر بعودة الادارة الامريكية بالتحالف مع الاسرائيلي الى تفعيل "استراتيجية التخوم" التي كانت تمارسها تل ابيب ضد طهران في عقد التسعينيات من القرن الماضي يضاف اليها التقاء في المصالح العربية التي لا تخفي توجسها من الطموحات الايرانية، وما تشهده الساحة العراقية ان كان في التحرك الكردي عام 2017 والاستفتاء على انفصال الإقليم ولاحقا اسقاط معادلة السلطة التي كرستها طهران بعد انتخابات 2018، الى جانب الضغوط التي تمارس ضد وجودها على الساحة السورية، والعوائق والعراقيل التي يعاني منها الحليف الاساس في لبنان وآلية ادارته للازمة السياسية والمعيشية والاقتصادية التي تحولت الى عامل يمارس دورا سلبيا يخدم الرؤية الامريكية التي تسعى لتحجيم هذا الدور واخراجه من المعادلة اللبنانية مع حلفائه او تطويع هؤلاء وإبعادهم عن الحزب ومشروعه. 

تدرك طهران ان التعامل مع الادارة الامريكية هذه المرة يختلف بشكل واضح عنه مع ادارة الرؤساء بيل كلينتون وجورج دبليو بوش وباراك أوباما، فالرئيس دونالد ترامب تجاوز عقدة الخوف من قيام طهران باعتماد خيار التفجير الامني المباشر مع تل أبيب، وقد قامت باسقاط قواعد الاشتباك التي سيطرت على مدى العقود الماضية بعد عملية اغتيال الجنرال سليماني في العراق، وباتت طهران في موضع الدفاع عن المكتسبات والمصالح في الإقليم، من هنا فان العودة الى سياسة تجميع وابراز أوراق القوة في الاقليم يدخل في اطار الرسالة الايرانية لواشنطن وتل ابيب بانها مازالت تمتلك خيارات التفجير وعرقلة المشاريع والخطط الامريكية ما لم تأخذ واشنطن بعين الاعتبار المصالح الايرانية في الاقليم وهي المصالح التي استثمرت فيها على مدى العقود الاربعة الماضية ولن تسمح بأن تخسرها من دون مقابل. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها