آخر تحديث:06:34(بيروت)
الثلاثاء 19/05/2020
share

علاء عبد الفتاح: مواجهة الزمن الدائري

شادي لويس | الثلاثاء 19/05/2020
شارك المقال :
علاء عبد الفتاح: مواجهة الزمن الدائري علاء عبد الفتاح وزوجته وطفله (أرشيف)

السلطوية منظومة شاملة بطبيعتها، معقدة ومتعددة الوجوه، تعمل على الأجساد، انضباطها وحركتها، على المخاوف البدائية والبسيطة، وعلى الأمل، على النفوس وعلى الروح، على الخطاب، وعلى المادي والملموس، على العام وعلى الفردي أيضاً، على كل شيء تقريباً. لكن، وضمن هذا كله، فإن مهمتهما الرئيسية هي الزمن، شعورنا به، وتصوراتنا عن تدفقه. الزمن خصم السلطوية، الزمن بمفهومه الحديث، المتدفق خطياً، حيث تحمل كل لحظة إمكانات فرادتها، مقطوعة عما سبقها. تعادي السلطوية تصوراً للزمن أسسته الحداثة، يمجد التغيير والآخرية. تصور، كان قُطباه تاريخياً مفهومي التطور والثورة، تصور معني وموجه إلى المستقبل. تسعى أنظمة القمع في المقابل لاستعادة زمن بدائي، زمن متدفق في دوائر، زمن لازماني وبلا تغيير، ارتكاسي وأبدي في الوقت نفسه، لانهائي بشكل مرعب، وكل ما فيه يتكرر، لا كحدث بل كطقس.

يرسخ النظام في مصر زمنه السلطوي بممارسات قمعية تخدم هذا الغرض تحديداً، اعتقالات الأبواب الدوارة. يخرج الموقوفون من قضية فيدخلون في أخرى، تجديدات الحبس الاحتياطي اللانهائية، دورة الـ45 يوماً ليقف السجين بعدها أمام القاضي وتتجدد معاناتاه في دوائر، تجديد بعد تجديد للحبس على ذمة القضية. النقطة التي يبدأ منها الزمن هي ذاتها الذي يعود إليها، أحكام السجن بالمقارنة أحكام خطية يبدأ فيها الحدث من نقطة وينتهي في أخرى، العقوبة محددة وزمانية، ويمكن تلمس مستقبل وراءها. هذا صحيح، حال خرج السجين بعد مدته فلم يجد قضية أخرى في انتظاره. لا يحتاج النظام لتلك الممارسات في حد ذاتها، فهيمنته شبه مطلقة، لكن أجهزته تنغمس فيها كطقوس، روتين مقدس واستعراضي، الترحيلات من السجون إلى المحاكم، ثم قرارات الإفراج، الفرحة المؤقتة، طعن النيابة، فتمديد الحبس، ثم العودة مرة أخرى إلى السجن، لأسابيع وشهور وسنوات.

الطقوس لا تخدم هدفاً مباشراً، بل تلعب دورها كترميز يرسّخ صورة للعالم عبر التكرار. المعاقبون، غير مقصودين بالعقوبة لأنفسهم، بل هم مجرد قرابين مشهدية، لطقس يحيل الجميع إلى بشر دفنوا أحياء بين جدران من الثواني المتجمدة. تنجح ممارسات النظام، الزمن الدوار مدوخ ومنهك، يستسلم معظمنا لتدفقه، وننجرف مع تياره، نصاب بالبلادة أمام دوامة الأخبار الأسبوعية، تلك التي يشبه بعضها بعضاً. الإخفاءات القسرية، تجديدات الحبس، أرقام القضايا، بأسماء متهمين جدد أو الأسماء القديمة نفسها.

يدخل علاء عبد الفتاح في أسبوعه السادس من الإضراب عن الطعام في محبسه، وتدخل أسرته الأسبوع الرابع من المحاولات اليومية لإيصال رسائل وأدوية إليه (كما يسمح له القانون). بشكل يومي تتوجه والدته، الدكتورة ليلى سويف، إلى سجن طرة، منتظرة بالساعات في كل مرة، وبلا نتيجة، لتعيد المحاولة في الصباح التالي. عبد الفتاح، الذي قضى خمسة أعوام في السجن، وخرج ليُلقى القبض عليه مرة أخرى بعد شهور، ومازال قيد الحبس الاحتياطي، يرفض أن تبتلعه دوامة التجديد اللانهائية. وفي لحظة يبدو فيها الجميع مجرداً من أي سلاح، يبرز الإضراب عن الطعام كحلٍ وحيد، تهديد فادح وأخير بكسر الزمن الدائري، بوضع نهاية له، تهديد مأساوي يلجأ مَن لم يعد لديهم سوى أجسادهم للاحتجاج.

في الخارج، وأمام بوابة السجن، تتحدى والدة علاء، الدكتورة ليلى سويف، الزمن الدائري بطريقتها، مثلها مثل مئات وآلاف الأمهات وذوي المعتقلين. ببساطة، ترفض القبول بأن كل يوم مثل سابقه، حتى ولو كان كذلك، تفترش الأرض أحيانا أو تتمدد عليها، لكنها لا تسمح لتيار الزمن الدائري أن يجرفها معه، بإصرار يبدو الخيار الوحيد، كل يوم... كل يوم، بإيمان بسيط بأن هناك مستقبلاً وراء كل هذا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها