آخر تحديث:08:37(بيروت)
الأحد 26/04/2020
share

الخوف الايراني على سوريا

حسن فحص | الأحد 26/04/2020
شارك المقال :

في اوج الازمة السورية، وفي النصف الاول من عام 2014، اي في الفترة المتزامنة مع التمدد الذي قام به تنظيم الدولة الاسلامية داعش من الاراضي السورية باتجاه الاراضي العراقية والسيطرة على مدينة الموصل واعلان دولته الاسلامية في المناطق التي سيطر عليها، كان مستغربا ان يخرج احد القيادات العسكرية في فيلق القدس التابع لحرس الثورة الاسلامية في ايران ليقول ويتحدث عن رؤيته لعودة العلاقات السورية العربية على الرغم من ارتفاع حدة التباعد بين الطرفين على خلفية اتهام دمشق للكثير من العواصم العربية بدعم الفصائل المعارضة، واعلان هذه العواصم مواقف واضحة من قيادة النظام وضرورة خروجه من الصورة في اطار عملية انتقال للسلطة في سوريا تؤسس لنظام تعدد ديموقراطي جديد.

الرؤية الايرانية كانت تقوم على اساس ان النظام السوري وبالمساعدة والمساندة التي تقدمها طهران والفصائل التابعة لها خصوصا حزب الله في لبنان ستكون قادرة على تغيير المعادلة العسكرية والامنية خلال السنوات المقبلة، بحيث يكون النظام السوري قادرا على استعادة سيطرته على كامل الاراضي السورية والقضاء على جميع الفصائل المعارضة او التوصل معها الى تسويات تسمح بعودة الحكومة المركزية لادارة البلاد من دون احداث او حصول تغيير جوهري وجذري في السلطة ورأس الهرم فيها. 

وعندما وجدت ايران عبر فيلق القدس وحزب الله انها غير قادرة على تثبت التقدم الذي حققته ميدانيا لصالح النظام، وانها عاجزة عن حسم المعركة، ذهبت مجبرة الى خيار البحث عن شريك استراتيجي لتحقيق هذه الاهداف، من هنا كان اللجوء الى الخيار الروسي الذي لم يكن بعيدا عن التطورات السورية، خصوصا في تأمين الغطاء السياسي ان كان في المحافل الدولية او مجلس الامن عبر تعطيل اي موقف او قرار دولي يتعلق بالازمة السورية. 

ولا شك ان موسكو قد وضعت شروطا واضحة على الشريك الايراني في حال تدخلها العسكري في سوريا، واول هذه الشروط كان التفاهم مع طهران على مستوى التهديد الذي قد يشكله الوجود العسكري لحرس الثورة وحزب الله للامن الاسرائيلي، خصوصا وان موسكو ملتزمة بأمن اسرائيل وعدم تهديد امنها واستقرار الحدود بينها وبين دول الطوق حولها. وثاني هذه الشروط هو ان الجهود المشتركة تتركز على محاربة الجماعات الارهابية التي تشكل تهديدا مستقبليا لامن روسيا خصوصا من الجماعات التي تضم عناصر من المجتمعات الاسلامية في الاتحاد الروسي والدول الاسلامية للاتحاد السوفياتي سابقا. ما يعني ان المعركة السياسية ستكون في مواجهة النفوذ التركي الذي تتهمه موسكو بدعم هذه الجماعات التي تشكل امدادا عثمانيا في منطقة وسط آسيا والقفقاز. 

لكن العبء الاساس الذي واجهته طهران، كان في عملية إقناع الجانب الروسي في الاقتراب من الرؤية الايرانية لمرحلة ما بعد الحرب، وطبيعة النظام الذي سيحكم سوريا بعد القضاء على الجماعات الارهابية والفصائل المعارضة، وقد بذل الجانب الايراني جهودا كبيرة ومضنية في التوصل الى نقطة وسط مع موسكو حول هذه النقاط، بحيث أسس لارضية تفاهم مشتركة حول الحفاظ على وحدة الأراضي السورية تحت سلطة حكومة دمشق، وان يحصل على موافقة روسية على حق الرئيس الحالي بشار الأسد في المشاركة في الانتخابات الرئاسية التي ستجري عام 2021 الى جانب غيره من المرشحين في انتخابات تعددية. 

من هنا، فان المواقف التي خرجت من موسكو قد تشكل مؤشرا على امكانية حصول تغييرات جدية في موقفها من العملية السياسية في سوريا، خصوصا في النقطة التي تتعلق ببقاء الأسد في العملية السياسية، ولعل ابرز هذه المؤشرات ما جاء في  استطلاع للرأي أجرته وكالة الانباء الفدرالية حول شعبية الأسد بين الشعب السوري، وخلصت الدراسة الى القول بأن التأييد والدعم الشعبي للأسد قد تراجع، وان 32 في المئة فقط من السوريين يؤيدون ترشح الأسد للانتخابات الرئاسية عام 2021، في حين ان 41 في المئة منهم يرون ان تصرفات الاسد سلبية، في حين ان 54 في المئة يعارضون اعادة انتخاب الاسد. وهو استطلاع يضاف الى سلسلة من التقارير والمواقف التي نشرت في عدد من وسائل الاعلام الروسية المقربة من الكرملين، حول الاوضاع السورية الداخلية وما فيها من انتقادات مباشرة للدائرة المقربة واللصيقة بالرئيس السوري، الى الحد الذي طالت زوجه أسماء الأسد وصراع المصالح الاقتصادية الذي تخوضه في مواجهة قريب الأسد وابن خالته رامي مخلوف حول الكثير من الاستثمارات الاستراتيجية. 

هذه التطورات تضاف الى التطور الميداني الذي مر بشكل شبه صامت تمثل بعبور قوافل للقوات الامريكية من الاراضي العراقية باتجاه الاراضي السورية في ظل حديث روسي ايضا عن دور جماعات في محيط الأسد في استغلال الحقول النفطية وبيع انتاجها للجانب التركي في وقت تمارس فيه أنقرة مستويات متقدمة من الضغوط الميدانية دفاعا عن مواقعها داخل الأراضي السورية وحصتها في الحلول السياسية المرتقبة أو المتوقعة في حين تتحمل موسكو العبء الاكبر في المجهود الحربي والسياسي لمواجهة الدور التركي. 

هذه التطورات قد تكون هي المحرك الذي دفع وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف لخرق الاعراف التي أرستها جائحة كورونا على الدبلوماسية الدولية والقيام بزيارة مباشرة الى العاصمة السورية دمشق واللقاء مع الرئيس السوري بشار الاسد ونظيره وليد المعلم قبيل الاجتماع المقرر لوزراء خارجية مسار استانة لحل الازمة السورية الروسي والتركي بالاضافة للايراني، وهو اجتماع جرى عبر تقنية "الفيديو كونفراس" لبحث العملية السياسية وآلية عمل لجنة إعادة كتابة الدستور السوري الجديد، التأكيد على آلية الحل السياسي للوضع في محافظة ادلب خصوصا بعد التطورات الميدانية الاخيرة التي شهدت مواجهات مباشرة بين حزب الله حليف ايران والقوات التركية في مدينة سراقب. فضلا عن ان المؤشرات الروسية "السلبية" بالنسبة لطهران دفعت ظريف الى التأكيد على ضرورة ان تعمل الأمم المتحدة على منع التدخلات الخارجية في عمل اللجنة الدستورية والحوار السوري السوري، وقد يكون الدافع وراء ذلك امكانية ان يتسلل الطرف الامريكي من البوابتين الروسية والتركية الى هذه اللجنة وبالتالي تنتهي الامور الى اسقاط حق الاسد في الدخول بسباق الانتخابات الرئاسية التي ستنبثق عن هذه اللجنة. ما قد يجعله في مواجهة جديدة مع الامريكي الذي اجبره على تقديم تنازلات في العراق، هو بغنى عنها على الساحة السورية. لذلك فهو يجهد على ترتيب اوراقه السورية قبل موعد انعقاد القمة الرئاسية لمسار استانه التي ستكون اطرافها غير قادرين على عقد لقاءات في الكواليس بعد ان فرض "كورونا" عقدها عن بعد. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها