آخر تحديث:12:48(بيروت)
الأربعاء 22/04/2020
share

سوريا بين مافيتين

بسام مقداد | الأربعاء 22/04/2020
شارك المقال :
سوريا بين مافيتين
ما أن أطلق الأوليغارشي الروسي "طباخ بوتين" يفغيني بريغوجين حملته على فساد النظام السوري ، حتى انطلقت في المواقع الإعلامية الكثيرة ، التي يسيطر عليها بريغوجين ، حملة صاعقة على هذا الفساد .  من الصعب معرفة السبب ، الذي دفع الأوليغارشي الروسي إلى "اكتشاف" فساد النظام السوري في هذا التوقيت بالذات، والقول بعدم كفاءته في حكم سوريا ، علماً أن النظام لم يبخل على هذا الأوليغارشي ، ولا على سواه من الأوليغارشيين الروس المقربين من الكرملين بعقود الإستثمار الإستثنائية في سوريا . ومن أواخر مثل هذه العقود ، كان عقد الإستخراج والإستثمار الحصري للفوسفات السوري ، الذي منحه النظام الخريف الماضي لأحد أكثر الأوليغارشيين الروس قرباً من بوتين، غينادي تيمتشنكو ، علماً أن الفوسفات لا يقع ضمن لائحة العقوبات الغربية على النظام السوري ، مما يوفر إمكانية التعاقد بشأنه مع أي طرف آخر. كما لم يبخل النظام على يفغيني بريغوجنين نفسه بعقد إستثنائي آخر بشأن الغاز ، إذ منح شركاته في مطلع السنة الحالية حقوق التنقيب واستثمار الغاز والنفط في 3 حقول سورية ، يقدر حجم الغاز ، الذي يختزنه حقلان منها بحوالي 250 مليار متر مكعب، حسب صحيفة "Novaya" الروسية الليبرالية.

هذه المشاريع وسواها من الصفقات ، التي حصل عليها الأوليغارشيون الروس من النظام السوري بشروط "جد متساهلة" ، تجعل من الصعب إفتراضها كسبب للحملة ، التي شنتها المواقع الإعلامية ، التي يسيطر عليها بريغوجين، وعلى رأسها "وكالة الأنباء الفدرالية"، التي تتفوق بعدد متابعيها على العملاق الإعلامي نوفوستي ، حسب مقالة غوغول في ويكيبيديا الروسية عن الأوليغارشي هذا . كما أن بريغوجين ، وخلافاً للأوليغارشيين الروس الآخرين (على قلة عددهم) ، يملك من وسائل الضغط على النظام السوري ما لا يملكه الآخرون . فهو يسيطر على فصائل المرتزقة الروس المنضوين في ما يعرف بشركة "فاغنر" الأمنية، التي شاركت بفعالية كبيرة في معارك النظام مع فصائل المعارضة السورية ، وكان لها دورها الكبير في تحقيق "نصر" النظام العسكري ، خاصة في معارك استرجاع مدينة تدمر من مقاتلي "داعش" . وإذا افترضنا أن بريغوجين يتحكم ، ولو جزئياً بقرار "فاغنر" العسكري ، لأن وزارة الدفاع الروسية هي التي تتولى تدريب هؤلاء المرتزقة  ، وتعاملهم كسائر العسكريين النظاميين ، من حيث المكافآت والأوسمة والطبابة وسواها ، إلا أن بريغوجين يملك فعلياً ، على الأقل ، بعضاً من هذا القرار ، كما أثبتت معركة دير الزور العام 2018 ، التي تكبد فيها هؤلاء المرتزقة مئات القتلى ، الذين تجاهلتهم وزارة الدفاع ، ونفت اية علاقة بهم .
  

صحيفة "Novaya" ، ومن دون أن تنفي علاقة وزارة الدفاع بمرتزقة "فاغنر" وقرارهم ، أكدت في التقرير، الذي نشرته مطلع العام الجاري بعنوان" فاغنر. النفط الأول. لهذا هم المرتزقة الروس في سوريا . دمشق تعقد مع شركات يفغيني بريغوجين إتفاقيات لاستثمار حقول نفط وغاز" . وقالت الصحيفة أن دمشق تعاقدت مع شركتين روسيتين لاستثمار 3 حقول نفط وغاز ، تبلغ مساحتها 12 ألف كلم مربع ، وتختزن من الغاز ما يقدر بحوالي 750 مليار متر مكعب . والطريف في الأمر ، على قولها ، أن أحداً في أوساط العاملين في النفط ، لم يسمع من قبل بشركتي "Velada" و "Mercury" ، اللتين حصلتا على عقود جدية . لكن ليس من مفاجآت في الأمر ، فمن يقف وراء المالكين الإسميين وإداريي الشركتين هي مؤسسة يفغيني بريغوجين "كونكورد" .

تقول الصحيفة عن شركة "Velada" ، بأنها شركة تأسست العام 2015 برأسمال حجمه 10,000 روبل ( 125$ الآن)، على يد طالبة ، كانت المساهم الوحيد في الشركة ومديرها العام ، حلت مكانها لاحقاً إمرأة أخرى . وتقول الصحيفة ، أن دفاتر محاسبة الشركة لا تتضمن سوى موظف واحد يتقاضى راتباً . ولم تسجل دفاتر محاسبة الشركة أي دخل في السنين الماضية ، التي انقضت حتى العام 2018 ، حين سجلت مبلغ حوالي 3 ملايين روبل ، مع خسائر مسجلة فاقت هذا الدخل. وتشير الصحيفة إلى أن الشركة لا هاتف لها ، ولا عنوان إلكترونياً ، ولا موقع على الإنترنت ، فكيف تسنى لشركة بهذه المؤشرات المضحكة ، لا تمتلك رأسمالاً ، ومن دون أية خبرة جيولوجية في أعمال استخراج النفط والغاز ، أن تحصل على عقد استخراج 250 مليار متر مكعب من الغاز ، في سوريا الحرب . تلك أحجية ، حسب الصحيفة ، التي تقول بأن الجواب عليها بسيط إذا علمنا أن المرأة المؤسِسة ، كانت تعمل في عملاق يفغيني بريغوجين "كونكورد" كمستشار ، قبل أن تسلم الشركة لإمرأة أخرى العام 2018، وتهاجر إلى الولايات المتحدة ، حيث تواصلت معها الصحيفة لكتابة تقريرها المذكور .

يفغيني بريغوجين ، الذي يملك كل هذه الإمكانيات في سوريا ، والقادم إلى عالم البيزنس المافيوي من عالم الجريمة ، هو الذي بدأ حياته العملية من عالم الجريمة ، الذي أفضى به إلى السجن مدة 9 سنوات من حكم بمدة 12 عاماً ، بسبب جرائم النهب والنصب واجتذاب الأطفال إلى تجارة الجنس ، لماذا "اكتشف" الآن فضائح فساد النظام السوري من رأس الهرم حتى القاعدة . لم يكتف بريغوجين بنشر التقارير الثلاثة الأولى عن الفساد المستشري بالنظام السوري ، بل تبعها بحملة شعواء في "الماكينة الإعلامية" التابعة له ، والتي تتمحور حول "وكالة الأنباء الفدرالية" ، وتتكون من أكثر من 16 موقعاً ، حسب الويكيبيديا ، وجيّش الكثير من الكتاب و"الخبراء، الذين وسعوا رقعة الإتهامات الواردة في التقارير الثلاثة الأولية . 

وذهب أحد المواقع المغمورة "Ura.ru" إلى دعوة روسيا ، نعم روسيا ،  إلى المباشرة بالنضال ضد الفساد في الإقتصاد السوري ، وقال بأن المسؤولين السوريين يضعون العصي في دواليب البيزنس الروسي ، ولا يتيحون له إمكانية التطور في سوريا . وقال بأن هؤلاء المسؤولين الفاسدين لا يريدون من المستثمرين الروس سوى أن يدخلوا النقود إلى سوريا ، ويتحججون بالحرب ، التي يحملونها في العادة مشاكل الإمدادات اللوجستية ، ومشاكل الأمن وسواها . وفوق كل ذلك  يطالبون بالمال . ويقول الموقع أن على روسيا ، التي انتصرت على الإرهاب في سوريا ، أن تبدأ بترتيب أوضاع الإقتصاد السوري ، الذي ينخره الفساد ، و"عليها أن تنتصر على الفساد ، كما انتصرت على الإرهاب" . 

وفي حين يعتبر الأسد أن استمراره في السلطة مرهون باستمرار الحرب السورية ، وذلك لعجزه عن تلبية متطلبات المنتصرين الفعليين في هذه الحرب ، تتعجل روسيا الإنتهاء من مرحلة الحرب ، والإنتقال إلى العملية السلمية ، التي توفر لها ضمان ثبات مواقعها في المنطقة ، التي وظفت من أجلها انخراطها في الحرب السورية . وهي ترى في تحسن علاقاتها مع تركيا ، أحد أهم الأهداف الإستراتيجية ، التي حققتها في هذه الحرب ، وتعتبر أن اتفاقاتها مع تركيا بشأن إدلب والشمال السوري ، والتي نالت رضا الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ، هي المدخل الوحيد الممكن للإنتقال إلى العملية السلمية .
 

الأسد من جهته ، يعتبر هذه الإتفاقات موجهة ضد نظامه واستمراره على رأس هذا النظام ، ويستمر في الإستعدادات لتخطيها ومواصلة العمليات الحربية ضد تركيا بمساعدة إيرانية ، ودعم مالي من الإمارات العربية المتحدة ، على ما ذكرت صحيفة "NG" الروسية" المستقلة . وترى روسيا أن الأسد لا يلتفت إلى التحذيرات الروسية له بالكف عن محاولات خرق هذه الإتفاقات ، ولم يقيّم تقييماً صحيحاً رسائلها إليه ، المتمثلة بزيارة بوتين لدمشق مطلع السنة الجارية ، ومن ثم زيارة وزير الدفاع في آذار/مارس المنصرم ، ولذلك قررت توجيه رسالة له ، من دون أن يتدخل بها مسؤولوها ووسائل إعلامها من قريب أو بعيد، أي رسالة من مافيا إلى مافيا ، اللغة الوحيدة ، التي يفهمها النظام السوري ، كما يبدو . 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب