آخر تحديث:23:09(بيروت)
الجمعة 17/04/2020
share

أثر الفراشة وأثر الفيروس

أحمد عمر | الجمعة 17/04/2020
شارك المقال :
أثر الفراشة وأثر الفيروس
أسفرت سماءُ دلهي زرقاءَ مثل سماءٍ أفريقيّة، وكانت منقَّبة وراء براقع الدخان، وضحك نهر السين وقد انجلى ماؤه وخلا وجهه من كدر الملوثات.

ورأينا كثيراً من الأبناء والأزواج يغنَّون لأحبائهم من أزواج وآباء تحت الشرفات، مثل أبطال روايات القرن السابع عشر، وانتبه أوروبيون من جديد إلى أهمية الماء في النظافة. مناديلهم للمرحاض، أما المناديل عند العرب فلدموع الحزن، وذكريات الحب والوداع!

قرأت في تقرير إخباري أن السعوديين هم أكثر الشعوب غسلاً لليد في العالم، مع أنهم يعيشون في بيئة فقيرة بالماء وليست مثل أوروبا التي تهطل الأمطار فيها حتى في الصيف، فسعدتُ بالخبر!

وفوجئت بأن شعبَيّ دولتين أوروبيتين لا يكترثون بغسل أيديهم بعد المرحاض، وتبلغ نسبتهم في إسبانيا وإيطاليا خمسين بالمائة! اشتعلت القلوب بالحب والشوق بعد الحَجْر وكأن ثلجاً غير أبيض يهمي على العالم، فقرّتِ الناس في البيوت وتشاحنت على المناديل، بل وتخاصمت دولٌ على الكمّامات، حتى إنَّ أمريكا اعترضت مثل القراصنة على شحنة كمامات واستولت عليها.

وتغيّرت أقوال التشخيصات العلمية بعد أسبوعين من إطلاقها، فقد تبيَّن لهم الرشد بعد الغيّ، وأعلن بعضهم أنَّ الفيروس ينتقل عبر الهواء، وماتت شخصيات سياسية كبيرة بالكورونا منها رئيس حزب تركي معارض، ونحن بانتظار أن يغتال الكورونا دكتاتوراً عربياً لتنجلي سماؤنا كما انجلت سماء دلهي، ويختفي الزبد عن حياتنا الملوّثة بهم.

وتعالت الدعوات العالمية لوقف الحروب، لكنّ حفتر المتقاعد لا يقبل بالتقاعد، ويحارب بعزم إماراتي وحثٍّ فرنسي، ويقصف المشافي الليبية، بلا رحمة.

أبدتْ جهات إيطالية خوفها من استغلال المافيا انشغال الدولة بحربها مع الكورونا، ومنافستها في العمل المصرفي والإغاثي، المدّعي العام لمكافحة المافيا الإيطالية فيديركو كافييرو دي راوو، قال قولاً عجيباً هو: أن المافيا مثل الماء، تملأ أي فراغ تجده، والعجب هو من وصفه المافيا الشريرة بالماء لا بالسمِّ!

حرب اليمن مستمرة مثل حرب ليبيا، وانتشرت تقارير عالمية تقول إن ابن زايد رشا الأسد بثلاثة مليارات حتى ينغِّص على أردوغان حربه مع الكورونا، وذكرت الأخبار أن تركيا رائدة في العمل الطبيّ والإغاثي، فقد أغاثت أكثر من أربع وثلاثين دولة، وتطوّرُ لقاحاً ضد الوباء، ولو أطلقت عليه اسم عثمان واحد، لقضى خصومها بالحسد قبل المرض، وأوقف أردوغان شحنة كمامات طبية لإسرائيل، ما لم توافق على شحنةٍ لغزّة. ولم يتوقف حلم ابن سلمان بمشروع نيوم على البحر الأحمر.  وكان "خاشقجي الصحراء" عبد الرحيم الحويطي قد ذكر اسم قاتله، فهو لم يخلِ بيته من أجل مشروع نيوم، ومن مات دون بيته فهو شهيد.

ورأينا كمامات تباع على عربات البالة بأسعار رخيصة في حلب وكأنها ورقة التوت على الوجه، ولجأ نشطاء قرية أندونيسية إلى التنكر بزي أشباح لتخويف الناس من الخروج، لكن الأمر شجّع السكان على الخروج لمشاهدة عروض الأشباح المسرحية، وتنكَّر هنود في زي أطباء لكسر الحظر. الطبيب الذي عادت له هيبته في العالم، ونقصت في مصر، فالهيبة هي للعسكر.

رأينا مظاهرات في قرية مصرية ترفض دفن طبيبة مصابة بالوباء، فماذا جرى لأرض الكنانة التي صار اسمها الكمامة؟ فهي كمامة مضاعفة، تكمُّ الفم من الطعام ومن الكلام. وقد أفتى شيخ الأزهر بحرمة منع الدفن ومزج مشاعره الشخصية بالفتوى، فذكر أنَّه حزين، فجعل من ذاته بعضاً من الدين، ويبدو أنه يصدّق أنه الإمام الأكبر!

ورأينا شرطة هندية تعاقب الناس في الشارع بالجلْد، وشرطة أخرى تعاقب مخالفي الحظر بالجزاء المدرسي، فالهند قارة العجائب، وقد عاقبتْهم بنفس العقاب الذي كان معلمونا يعاقبوننا به، هو كتابة عبارة "أنا آسف، لن أكسر الحظر مرة ثانية"، 500 مرّة، وكنا تلاميذاً، ولم نكن مصابين بالكورونا. 

وحنَّ التقاة إلى الصلاة جماعة، وقد فرّق كورونا السياسةِ الجماعةَ قبل أن يفرّقَها كورونا الوباء. وذكرتْ دراسة أمريكية أن نقاب المنقّبة المسلمة أمسى فريضة صحيّة. ورأينا مقابر جماعية في أمريكا، لكنَّ مقابرهم أفخر من المقابر السورية مظهراً، في الغوطة وخان شيخون. 

وشاهدنا عشرات الأزياء من الكمامات، حتى صار كوكب الأرض كوكب الخيال العلمي، وأغربها الكمامة على العين التي تمارسها الحكومات، فإن رضينا عن الحكومة الديمقراطية عَذرْنا إجراءاتها القاسية بأنها لا تريد أن تذعر الشعب، وإن كانت دكتاتورية قلنا إنها تغشّ الشعب، ورأينا مشهداً للشرطة الصينية وهي تُخرج مئات الأفارقة في الصين، وتجبرهم على الحجر الحكومي مع أنهم خالون من المرض، ونأمل ألا تأكلهم الشرطة الصينية!

رأينا السيسي واقفاً بجانب السيارة الفاخرة، لا يغادر بابها خوفاً من أن يفقد أجرة يوم من عمله كبطل لفيلم "العندليب الأخطر"، وكان الأخطر يوبِّخ العمال المكمّمين، وينادي مثل عنترة بن شداد في حومة الميدان: فين المدني اللي هنا؟ فالعسكري له مهمة أخرى، ورأيناه يلبس الكمامة في مشهد سابق، ولن نرى الرئيس السوري يضع الكمامة، للأسباب التالية:

وضْعُه للكمامة تعني أنه خائف، فكيف يخاف من هزَمَ مائة دولة، وهي توحي بأنه غير شفاف لا سمح الله، ثم إنها توحي بأنه بشر يحيا ويموت، فتنقض شعار إلى الأبد!

ومن أخبار الملوك: أنَّ ملك تايلاند مها فاجيرالو نكورن عزل نفسه مع 20 حورية من مُلك اليمين في فندق كبير، جنوب ألمانيا، خوفاً من الإصابة بفيروس كورونا المستجد، وليس خوفاً من بأس زوجاته الأربع!

وهو اعتكاف مثالي نحلم به جميعاً، ولن يتاح لنا إلا بالشهادة في سبيل الله وتحت ظلال السيوف. وقد أنهى عزلته الطوعية، ولو كنت مكانه ما أنهيتها، ولاعتكفتُ للعبادة في جبال الألب، أنصب موازين العدل، ولا أنزل عن صهوة جوادي، حتى أحرر البلاد كلها، أو أهلك دونها.

وعجِبْنا من اعتذار عاطف النداف وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، عن أعطال المطاحن، ووعد بتحسين جودة الخبز، وبشَّر بأن ربطة الخبز ستصبح إحدى عشر رغيفاً، لكن بسعر مضاعف، وكانت سبعة أرغفة. ورأينا مشهداً لسوريين تحت حكم الإدارة الذاتية يجرون خلف صهريج الماء، وجاء في أقوال عسكر الإدارة أنَّ مرتزقة أردوغان وراء عطل شبكة الماء وأزمتها. اسم الشبكة الشعبي هو "علوك"، وقد يصير اسم كورونا في سوريا "مقداد عشرين"! ومقداد اسم نصّاب سوري، يلعب دور دي كابريو في فيلم سوري مقتبس من فيلم أمريكي اسمه: "Catch me if you can "، وترجمة العنوان المثالي هي: بلِّط البحر. ويمثّلُ فيصل القاسم دور توم هانكس في الفيلم. ونصّاب الهند، غير نصاب سوريا الذي ينصب على النازحين وعلى الثورة، واسمه "بي آر شيتي"، وهو رجل أعمال هندي، نهب من بنوك الإمارات نحو 6.6 مليارا دولار، في واحدة من أكبر عمليات الاحتيال في التاريخ. وقد شكره أحد الساخرين قائلاً: هذا أفضل من أن تتحول إلى أسلحة لحفتر والأسد والسيسي وبوتين. تقول الأمثال: السارق من السارق كالوارث من أبيه، فهي أموال سوداء.

أمس أشرقت الشمس في ولاية هيسن، وظهر صديقي الألماني السيد شرايبير وزوجته وكلبهما السلوقي الأحمر بعد غياب طال أسبوعين في الحجر، فوقفتُ أسلّم عليهما من مسافة الأمان المثلى، لكن من غير كمامة، فقد عشت عمري بكمامة لا ترى، ويصعب العيش بكمامتين، قالا لي: إنهما جازفا بالخروج حتى لا يصاب كلبهما بالاكتئاب، وسألني عن الحال، فقلت لهما: إنَّ شعوباً خرجت من أجل كلبٍ أيضاً!


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب