آخر تحديث:07:08(بيروت)
الأحد 12/04/2020
share

العراق: أوهام أميركية إيرانية

حسن فحص | الأحد 12/04/2020
شارك المقال :
العراق: أوهام أميركية إيرانية
بعيدا عن ميزان الربح والخسارة، او ميزان السيطرة وعدمها، مرة جديدة تنجح ايران في اظهار قدرتها على فرض التوازنات في مناطق نفوذها في الاقليم، عندما فرضت على كل اللاعبين على الساحة العراقية العودة الى اعتماد القناة الايرانية الموصلة الى استكمال مثلث السلطة والرئاسات في هذا البلد. 

ايران والقوى المتحالفة معها في العراق، رأت في القرار الذي ذهب له رئيس الجمهورية برهم صالح بتكليف النائب عدنان الزرفي محاولة لكسر الدور الايراني والحاق هزيمة واضحة به واخراجه من المعادلة السياسية العراقية خصوصا في السلطة التنفيذية وما قد تؤسس له من افتراق متدرج بينها وبين السلطات الاخرى، التي قد تجد في وصول الزرفي نقطة انطلاق نحو التملص والتخلص من الهيمنة الايرانية على قرار وتوجهات هذه السلطات. 

القيادة الايرانية، خصوصا تلك المعنية بالساحة العراقية بشكل مباشر، اي قيادة فيلق القدس بشخص رئيسه الجنرال اسماعيل قاآني، لم تتوقف عند موقف الفصائل المتحالفة معها او التي تدور في فلكها في سياق تحديد موقفها من ازمة التكليف في رئاسة الوزراء، وسعت لتوظيف الاستنفار الذي حدث في صفوف الفصائل والحشد الشعبي من اجل الدفع بالموقف الذي ترغب به ، بحيث يوفر لها الارضية لتعطيل او افشال ما ذهب اليه صالح في تكليف الزرفي، مع علمها بان موقف هذه الفصائل او الاحزاب لا ينطلق من مراعاة المصالح الايرانية، انما ينطلق من معركتها للحفاظ على نظام المحاصصة  والتقاسم والمصالح في توزيع مراكز القوى والاستثمار في السلطة التنفيذية بعد ان وجدت في وصول الزرفي تهديدا واضحا لها ولمنظومتها المصلحية الخاصة بعيدا عن المصلحة الايرانية. 

وعلى الرغم من شبه الاجماع بين الاطراف والمكونات العراقية وحتى الجانب الايراني فان هوامش الاختلاف في مواقف وشخصية كل من عدنان الزرفي المعتذر عن التشكيل ومصطفى الكاظمي المكلف الجديد غير متباينة، خصوصا في ما يتعلق بالتعاطي والتعامل مع السلاح غير المنضبط والمتفلت وسيادة الدولة وتقديم المصالح العراقية على اي مصالح دولية او اقليمية، الا ان العامل الاساس الذي ادى بهذه القوى خصوصا الايراني لرفض وصول الزرفي يعود الى ان تسميته وتكليفه جاء من خارج التفاهم وملبياً لرغبات واشنطن في محاصرة الدور الايراني، فضلا عن مواقف هذا الرجل شكلت استفزازا غير مسبوق للقيادة الايرانية، وبالتالي فان تمرير تكليفه وتشكيله للوزارة يعني اعترافا ايرانيا بالانتصار الامريكي والهزيمة لطهران، ما قد يدفعها الى الذهاب في المغامرة الى اقصى الحدود بما في ذلك اللجوء الى اللعب على العامل الامني والاستقرار، وما فيه من مخاطر بان يعقد الامور عليها اكثر مما هو عليه، وان تدخل في مقامرة غير معروفة النتائج حتى وان ادت الى ارباك الوجود والدور الامريكي في مساعيه للمساعدة في بناء دولة وحكومة بعيدة عن النفوذ الايراني. 

الانتقال او العودة الى تبني خيار رئيس جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي، يعود الى قراءة ايرانية متأنية لشخصيته ودوره في المرحلة السابقة، وهو وان كان ينتمي الى المدرسة نفسها التي ينتمي لها الزرفي سياسيا في تقديم المصلحة العراقية على اي استلاحقات او تبعيات مع ميل ليبرالي واضح، الا انه لا يشكل شخصية استفزازية، بل يعتبر من المسؤولين المنفتحين على الحوار وعقد التسويات والتفاهمات التي لا تمس القرار العراقي ولا تدخل العراق في دوامة الاستقطابات والصراعات الاقليمية والدولية، خصوصا وان تجربته على مدى السنوات الماضية خصوصا بعد توليه رئاسة جهار المخابرات كشفت قدرته على تدوير الزوايا وفتح قنوات تواصل وحوار مع كل الاطراف المتناقضة والمتصارعة على الساحة العراقية من دون ان يتخلى عن ثوابته الفكرية والسياسية والعراقية. 

من هنا رأى اللاعب الايراني ان الذهاب الى خيار الكاظمي يشكل اقل الخسائر ويعيد فرض نفسه كشريك أساس ومعبر لا بد منه لأي تركيبة سياسية في العراق بما لا يسمح لاي طرف دولي او اقليمي بالتفرد بهذه الساحة، من هنا وعلى الرغم من التصعيد الذي مارسته بعض الفصائل العراقية الموالية لايران والتي تقع خارج منظومة الحشد الشعبي القانونية واخرى من داخل هذه المنظومة ضد الكاظمي باتهامه وتورطه في عملية اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس مدعومة ببعض الاصوات داخل ايران، الا ان طهران وأمام تحدي الخسائر وامكانية وضع دورها على سكة الخروج من العراق، ضربت بكل تحفظاتها عرض الحائط في ما يتعلق بالكاظمي، ولم تتوقف أمام المواقف التي تبنتها ومازالت بعض الفصائل التابعة لها من تكليف هذا الرجل، وذهبت الى تسهيل تكليفه ووصوله انطلاقا من بعدين، الأول التخلص من تحدي الزرفي، والثاني تكريس مفهوم ومعادلة مع الامريكي انها لاعب اساسي ومن الصعب أن تسمح باستبعادها على الساحة العراقية بسهولة، مرجحة الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية طويلة الامد على المصالح الاستراتيجية القصيرة والمباشرة لكن من دون ان تتخلى عن كونها الحاضن لتلك الفصائل التي تبنت الموقف الايراني الرافض للزرفي وحتى المشكك بالكاظمي. 

من جهتها واشنطن المترددة حتى الان في اعلان تأييدها لتكليف الكاظمي بشكل علني، وجدت في الترحيب الايراني بهذا التكليف والتخلص من عبء الزرفي المحتمل، محاولة من طهران لتحويل قدرتها في عرقلة مسار تكليف الاخير الى نوع من الانتصار، ولم تبذل جهدا في التخفيف من هذا الشعور، بل عملت على تعزيزه من خلال العودة الى التركيز على دور القيادي في حزب الله اللبناني مسؤول الملف العراقي الشيخ محمد كوثراني من خلال وضع جائزة مالية (10 مليون دولار) للحصول على معلومات تتعلق بدوره شبكته وعلاقاته المالية في العراق، واتهامه بلعب دور محوري في تبني خيار الكاظمي في ظل غياب الجنرال سليماني، في مسار يوحي بأن واشنطن اما تفتش عن طرف لتحميله مسؤولية إخراج الزرفي من المعادلة واما انها بدأ مسارات لتضخيم دور كوثراني كما فعلت مع سليماني تمهيدا لعمل أمني مشابه لعملية مطار بغداد فجر الثالث من يناير/ كانون ثاني 2020. 

في الختام، يحكى ان رجلا ممن يطلق عليه لقب "سيد" لانتسابه الى آل بيت الرسول (ص) يعيش في احدى قرى جبل عامل في جنوب لبنان، كان في ضيق من العيش والعوز والفقر، الى درجة انه كان لا يجد قوت يومه، وقد تواضع اهل القرية ان يقدموا له مداورة طعام يومه، وحتى لا يجرحوا عفته وكرامته، كانوا يضعون الطعام أمام باب منزله، ويصيحون عليه يا سيد فلان الطعام في الخارج، فيعمد إلى أخذه بعد ذهابهم، وفي اليوم الذي ينسى المنعم ان يصيح عليه باللقب قبل الاسم، كان "السيد" يطوي ليله وأهله على سغب وجوع.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها