آخر تحديث:06:59(بيروت)
الأحد 08/03/2020
share

حكومة إدارة الكارثة

وجيه قانصو | الأحد 08/03/2020
شارك المقال :
حكومة إدارة الكارثة (دالاتي ونهرا)
يعتبر قرار الحكومة اللبنانية عدم دفع مستحقات ديونها، أول إعلان رسمي على فشل الحكم والدولة في لبنان، بخاصة في الجانب الذي كان صمام أمان البلد منذ نشوئه، وهو الجانب المالي-المصرفي، الذي كان يوازن ويعوض حالات التفكك الاجتماعي والهشاشة الأمنية وشبكة الفساد الزبائنية التي رسختها قوى الحكم الحالية.

إعلان حسان دياب الذي جاء بطريقة السم المحلى بالوعود المؤجلة والوهمية وحتى غير المفهومة، هو دخول علني في كارثة متعددة الابعاد، توقع كل ذي عقل حصولها إنما ليس بهذه السرعة الفائقة.     

هو بلاغ رسمي بأن لبنان لم يعد دولياً قادرا على الوفاء بالتزاماته المالية، ما يجعله عاجزاً عن الوفاء بتعهداته وعقوده الاقتصادية وحتى القانونية تجاه أطراف اقتصادية وإنتاجية خارج لبنان. ما يهدد لبنان بحالة المروق الدولي، ووضعه في وضعية عزل اقتصادي وحجر مالي، ويتسبب بصدور أحكام دولية بحقه تمس صلب سيادة الدولة واستقلال قرارها. 

هو إعلان بأن الدولة ستبدأ، بحكم عجزها متعدد الأوجه، بالتخلي تدريجيا عن أكثر واجباتها الداخلية وتترك الناس لمصيرهم وقدرهم الغامض والمخيف. أي تستقيل من مهامها كدولة بصفتها الملاذ الأول والأعلى للأمن ومرتكز التماسك الاجتماعي، وتترك الباب مفتوحاً لحصول تصدعات داخلية، تبدأ بانعدام الثقة بين المجتمع والدولة، وبشروع قوى محلية بتوسيع دائرة سلطتها ونفوذها وانتزاع المبادرة من الدولة في ملء الفراغات التي ستحدثها الدولة العاجزة.

لم يكن لدى الحكومة منذ تأليفها ونيلها الثقة، رؤية أو خطة أو إجراء ذي بال، بل تكاد تكون حكومة غائبة عن السمع، وتتجنب اتخاذ قرارات جريئة وقوية بقوة جدية الأزمة. ما يعني أنه لم يقصد من تأليفها أن تكون حكومة إنقاذ، بقدر ما قصد أن تكون حكومة إدارة الكارثة والفشل، بجعل الفشل قدراً محتوماً، والكارثة واقعاً لا مفر منه، وأمرا مألوفاً لا بد من التكيف معه وإعادة ترتيب مجريات حياتنا وفق تبعاته وآثاره الجديدة.

أدركت قوى السلطة منذ بداية الحراك الشعبي في تشرين الأول الماضي أن وقوع الكارثة بات محتوماً. بيد أن استراتيجيتها لم تنصب على الانصات للألم والوجع وتحسس المخاوف والقلق العام، ولم يكن همها  الحياد عن الكارثة أو تجنبها أو تعبئة الطاقات لعكس مسارها، بقدر ما كان خلق ترتيب سياسي جديد يضمن استمرارية إمساكها بخيوط لعبة السلطة ومداخل القرار مهما كانت مآلات الأزمة وتداعيات الكارثة الواقعة حتما.  فكانت الحكومة الحالية خير وسيلة لقوى السلطة في العبور الآمن وبأقل الخسائر الممكنة إلى الواقع الجديد الذي سيغير مجريات الحياة اللبنانية بطريقة جذرية من دون أن تتغير قواعد الولاء والشرعية السياسية التي تحرص القوى القائمة على تأبيدها وجوهرة مرتكزاتها ومقولاتها. أي شرعنة الفشل وجعله إرثاً وتقليداً نتعود عليه ونستنبط قيمنا من وقائع السقوط التي يبثها في حياتنا اليومية. 

انطلق الحراك محتجاً ومطالباً، وملقيا على أهل السلطة مسؤولية إصلاح ما فسد. كان هنالك ظنٌ غالبٌ  بإمكانية عكس مسار الوقوع في الهاوية، وبمشترك جامع بين المحتج وصاحب القرار، وبوجود مكتسبات محلية لا بد من الحرص بعدم التفريط بها. أما وقد دخل لبنان رسميا زمن الدولة الفاشلة، الذي سيحمل معه تحولات بنيوية وتفككات تطال صميم الواقع اللبناني، فإن معطيات الحراك قد تغيرت بالكامل، بحكم انكشاف عمق المأزق المحلي، الذي يتحاوز في جديته معضلة الفساد أو الفاسدين، أو تغيير الوجوه السياسية، أو حتى الأزمة المالية الحالية. ما يستدعي لغة واستراتيجية مواجهة وخطاب تعبئة ومنطلقات تغيير مختلفة جذريا عن مسار الحراك السابق.

كان هنالك احتجاج على آليات وطرق إدارة الواقع اللبناني، أما الآن فبتنا أمام ضرورة استنقاذ هذا الواقع من سقوطه المروع. بالتالي نحن أمام تحدي حفظ حقيقة الكيان اللبناني نفسه وفكرته الفريدة من نهاياتها الوشيكة.   


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

وجيه قانصو

وجيه قانصو

كاتب وباحث

مقالات أخرى للكاتب