آخر تحديث:07:34(بيروت)
الأربعاء 04/03/2020
share

إدلب تدفن "أستانة"

بسام مقداد | الأربعاء 04/03/2020
شارك المقال :
إدلب تدفن "أستانة"
قبل يومين من لقاء الرئيسين الروسي والتركي في موسكو "لمناقشة قضية التسوية السورية ، مع الأخذ بالإعتبار التأزم الحالي للوضع في إدلب" ، تذكر السفير الإيراني في موسكو كاظم جلالي منصة أستانة "الناجحة". ونقلت عنه وكالة نوفوستي قوله في لقائه مع رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الإتحاد كونستانتين كوساتش ، بأن منصة أستانة ناجحة جداً ، "وعلينا أن نكون أوفياء لها ونواصل تعاوننا ، بشأن سوريا" . وأعرب السفير عن تخوفه على مصير أستانة من الأعداء الكثيرين ، الذين لا يعجبهم هذا المستوى من التعاون بين أطرافها ، و"علينا ان نكون يقظين" . وأعلن السفير الإيراني في اللقاء عينه ، أن الرئيس الإيراني حسن روحاني قد وجه الدعوة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لعقد قمة لمنصة أستانة في طهران ، دون أن يتطرق إلى موعد عقد مثل هذه القمة . 

وتأتي دعوة روحاني إلى عقد قمة دورية لترويكا استانة في طهران ، بعد اقتراحه عقد لقاء ثلاثي ، يجمع سوريا وتركيا وإيران ، استثنيت منه روسيا ، التي لم تكلف نفسها عناء التعليق على الإقتراح الإيراني هذا . وتنقل نوفوستي عن الناطق باسم الخارجية الإيرانية عباس الموسوي تأكيده ، بأن عملية أستانة بشأن التسوية السورية بمشاركة موسكو وأنقرة وطهران تبقى المنصة الرئيسية في هذه التسوية . 

قلق المسؤولين الإيرانيين على مصير منصة أستانة ، كان قد استبقه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتصريح نقلته عنه نوفوستي ، تحدث فيه عن تأثير الوضع في إدلب على هذه المنصة . وقال لافروف ، بأنه لا يعتقد بأن ثمة مشاكل لا يمكن تجاوزها بالنسبة لمنصة أستانة . وعبر عن قناعته ، بأنه لو ركز عسكريو البلدان الثلاثة وديبلوماسيوهم ومسؤولو الأجهزة الأمنية اهتمامهم على الإتفاقات الأساسية بشأن إدلب ، لكان بوسعهم ترجمة هذه الإتفاقات إلى أعمال ملموسة .
 

وكانت المندوبة الدائمة للولايات المتحدة في المنظمة الدولية قد طالبت ، أواخر الشهر المنصرم، بالتخلي عن منصة أستانة ، واعتبرت أن هذه الأداة للتسوية في سوريا ليست فعالة ، وقالت أنها قد انهارت ولم يعد من الممكن إحياؤها . وأشارت إلى أن الولايات المتحدة لن تسمح بان تستخدم هذه المنصة بعد الآن لوضع إتفاقية جديدة حول الهدنة في إدلب . وقد أثار إعلان المندوبة الأميركية هذا حفيظة المندوب الروسي الدائم في المنظمة الدولية ، ورد عليها بالقول ، بأن منصة أستانة لا تزال مطلوبة ، على الرغم من محاولات البلدان الغربية إستغلال الوضع في إدلب لبث الخلاف بين موسكو وأنقرة . وقال بأن خفض التصعيد في إدلب لا يمكن تحقيقه سوى بالحوار بين موسكو وأنقرة ، وأشار إلى محاولات لزرع الشكوك بين البلدين ، والقول بأن "أستانة قد ماتت" ، وقال بأنه يريد أن يخيب آمال هؤلاء بالقول لهم "لا تتعجلوا في دفنها" ، على ما نقلت الصحيفة الرسمية للحكومة الروسية "RG" . 

لاشك بأن كلام الأميركيين حول موت منصة أستانة قد أثار حفيظة المسؤولين الروس والإيرانيين ، وجعلهم يتذكرون منصتهم ، التي قذفوها في حينه بوجه منصة جنيف ، وأعلنوا استفرادهم بالشعب السوري واحتكارهم أمر مقتلته . إلا أن للإيرانيين أسبابهم الأخرى ، التي أشار إليها اقتراح اللقاء الثلاثي بين إيران وتركيا وسوريا ، واستثناء روسيا منه ، مايشير إلى امتعاض إيران من التفرد الروسي بمحاولة التسوية في إدلب ، واستبعاد إيران عنها ، على الرغم من مشاركتها النشطة مع الميليشيات التابعة لها في المعركة . ومن الواضح ، أنه مع تطور الصراع في سوريا ، تتزايد الصعوبات ، التي تواجهها موسكو للمحافظة على تفاهماتها مع شركائها في أستانة . 

وتجدر الإشارة إلى أن اللقاء الروسي التركي المرتقب في موسكو ، والذي أثار غضب إيران وجعلها تتذكر منصة أستانة ، كان قد نعاه قبل أن ينطلق في 5 من الشهر الجاري نائب وزير الخارجية الروسي أوليغ سيراموتوف ، حين قال بأن لا وجود حتى الآن لحل بشأن إدلب يلائم جميع الأطراف ، كما نقلت عنه نوفوستي الثلاثاء في 3 من الشهر الجاري .  

في 26 من الشهر المنصرم ، كتب المؤرخ وكبير الباحثين في معهد الإقتصاد الدولي والسياسة العالمية ستانسلاف إيفانوف مقالة في صحيفة "NG" الروسية ، أشار فيها إلى صعوبات روسيا المتزايدة مع الإيرانيين والأتراك ، الذين يحولون شعار محاربة الإرهاب إلى ستارة يغطون بها أعمالهم في سوريا . وكما كان متوقعاً ، بعد القضاء على القوى الأساسية للإرهاب الدولي المتمثلة في "الدولة الإسلامية" ، لم تتوقف الحرب الأهلية في سوريا ، بل هي تتخذ طابعاً أكثر شراسة . ويستمر جميع المشاركين في الصراع السوري المسلح ، بممارسة ما درجوا عليه في تبرير أعمالهم الحربية في هذا البلد بضرورة محاربة الإرهاب ، الذي يفسره كل منهم على هواه . 

   ويقول إيفانوف أن الأسد ومموليه الإيرانيون كانوا سلبيين كلياً في الصراع  مع مقاتلي "الدولة افسلامية" ، حتى أنهم كانوا يشترون منهم ، عبر وسطاء، المشتقات النفطية والمواد الغذائية وسواها من السلع. واحتاج الأمر إلى جهود 65 دولة أجنبية للقضاء على قوات "الخلافة الإسلامية" . وينسبون اليوم في دمشق إلى الإرهابيين كل أولئك ، الذين يقاومون القوات الحكومية ، أو يسيطرون على مناطق لايسمحون بدخولها لقوات دمشق ومؤسساتها الإدارية . صحيح أن بين مناهضي الأسد مازالت هناك فصائل إسلامية راديكالية ، مثل "هيئة تحرير الشام" ، لكن ، وخلافاً لمقاتلي "الدولة الإسلامية" ، هؤلاء الجهاديون هم ابناء سوريا ، ولا يسعون لإنشاء خلافة إسلامية ، إلا أن دمشق وحلفاءها يعتبرونهم إرهابيين . لكن هذا الأمر لا يمنع السلطات التركية وعدداً من الممولين الأجانب من تقديم الدعم العسكري وسواه من المساعدات لهؤلاء ، وهو ما تعتبره دمشق دعماً للإرهاب ، وتصف أعمال تركيا في الشمال السوري ، بأنه إرهاب دولة. 

أما القيادة التركية ، فيقول إيفانوف ، بأنها قد تعاونت لمدة طويلة مع "الدولة الإسلامية" والفصائل المشابهة لها ، وهي الآن تعتبر نظام الأسد والمقاتلين الأكراد في شمال شرق سوريا إرهابيين . ويتهم إردوغان الأسد مباشرة في قتل مليون شخص ، ويصمه بإرهابي الدولة بسبب استخدامه الطيران والأسلحة الثقيلة ضد السكان المدنيين . وترى أنقرة أن الأكراد السوريين وثيقو الصلة بحزب العمال الكردستاني التركي ، وتعتبرهم إرهابيين يشكلون تهديداً للأمن القومي التركي .

ويذكر إيفانوف بأن الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الأخرى ، يعتبرون فيلق حرس الثورة الإسلامية الإيراني وحزب الله اللبناني وسواه من المرتزقة الشيعة ، الذين يقاتلون في سوريا ، إرهابيين . 

وهكذا ، يقول إيفانوف بإن جميع الأطراف المتصارعين في سوريا يعتبرون بعضهم بعضا إرهابيين ، ويدعون إلى مواصلة الصراع المسلح في ما بينهم حتى النصر المبين ، الذي يراه كل على طريقته . وتحت حجة الحرب على الإرهاب تندلع دورة جديدة من المأساة الدموية في سوريا ، التي يبدو أنها ستستمر "حتى آخر سوري"، وتتوضح خلالها الأهداف الحقيقية "لكواسر المنطقة" إيران وتركيا ، والمتمثلة في السلطة والأرض وموارد سوريا. ويرى الرجل أن الصعوبات تتزايد في وجه محاولة روسيا لعب دور الوسيط في تسوية الأزمة السورية في ظل تفاقم التناقضات بين شركاء عملية أستانة السلمية ، مما يعني ، بكلام آخر ، أن "أستانة" مرشحة أن تُدفن تحت ركام إدلب وسائر المناطق السورية. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب