آخر تحديث:11:23(بيروت)
الثلاثاء 31/03/2020
share

الأسد مستفيداً من كورونا

عمر قدور | الثلاثاء 31/03/2020
شارك المقال :
الأسد مستفيداً من كورونا
حظي بشار الأسد باتصال من محمد بن زايد؛ هذه أول هدية مصدرها الفيروس القاتل. نوايا التطبيع الإماراتي مع الأسد ظهرت طلائعها قبل سنتين، ثم لُجمت مرتين على الأقل من قبل الإدارة الأمريكية التي لجمت أيضاً نوايا عربية أخرى تتلطى خلف المبادرة الإماراتية. الإدارة الأمريكية فرملت أيضاً استجابة دول عربية مؤثرة للتحرك الروسي الذي كان يهدف إلى إعادة الأسد إلى الجامعة العربية، لا لأن إدارة ترامب ترفض مبدأ التطبيع مع بشار وإنما لأنها تريده بتوقيت وشروط مختلفين.

من جهة العديد من الأنظمة العربية، قد تحضر النكتة القائلة أنها قاطعت الأسد عقاباً له على عدم قدرته على قمع الثورة بسرعة، ولمّا استطاع إبعاد الخطر نهائياً بالمساعدة الروسية لم يعد من مبرر لمقاطعته. ما ترمي إليه النكتة هو عدم وجود عداء أصيل بين أنظمة الاستبداد العربية والأسد، والخلاف كما نعلم يكاد ينحصر بعلاقته الوثيقة بإيران وحزب الله، وهذا اعتبار أخذ يتراجع نسبياً مع عداء الأنظمة نفسها لأنقرة. التطبيع مع الأسد، بالتسلل عبر كورونا، يحمل من الكيد لأنقرة بقدر ما يحمل أوهاماً حول اجتذاب الأسد بعيداً عن طهران، ولا يحمل جديداً لجهة قصر النظر السياسي في التعاطي مع قوتين إقليميتين كبريين. 

الغطاء إنساني والمضمون سياسي، هذا هو حال الرسالة الإماراتية ومن يتلطى خلفها، أو من سينضم إليها. وهو حال يتطابق مع حال الأسد الذي يتعاطى مع الوباء وفق حسابات سياسية وأمنية، ولم يعلن عن إصابات إلا عندما تكرر الإعلان في دول أخرى عن مصابين قادمين من أماكن سيطرته. تغليب الاعتبارات الإنسانية على نظيرتها السياسية، وهو حق عموماً، يتطلب أطرافاً لا تعتمد عكس ذلك نهجاً مستداماً، وهذا بالتأكيد ما لا ينسحب على سلطة أبادت وهجّرت ملايين السوريين، ولا على أية جهة إقليمية أو دولية لا ينعكس تواصلها مع الأسد إيجاباً على حيوات السوريين.

خلال السنوات الماضية، كشفت منظمات دولية في العديد من المناسبات تلاعب سلطة الأسد بالمساعدات الأممية وسرقتها، بل كشف بعض التقارير عن تواطؤ موظفين محليين في تلك المنظمات على تمرير التلاعب وإن بذريعة عدم إغضاب السلطة الأسدية وتمرير ما يمكن تمريره للمحتاجين الواقعين تحت رحمتها. أي أن أية مساعدة تُرسل اليوم بذريعة الوباء ستكون محكومة بالشروط ذاتها، السلطة هي التي ستتحكم بإيصالها لمن تشاء، وبالنسبة التي ستوصلها وتلك التي ستسطو عليها.

لا معنى للسؤال عن مصير الثروات المنهوبة من قبل العصابة الحاكمة، مع معرفتنا بعدم عودة أي جزء منها لصالح السوريين في نكبتهم. الأهوال المعيشية التي ظهرت مع الإجراءات الخاصة بمواجهة الوباء توضح حاجة السوريين إلى نوعين من المساعدات العاجلة، الغذائية والطبية. التدخل لإنقاذ السوريين لا يمكن مروره إلا عن طريق الأسد، والأخير لن يتوانى عن ابتزاز أية جهة أممية جادة من أجل التطبيع معه. بعبارة أخرى، لن يتوانى، كما دأب دائماً، عن استخدام السوريين كرهائن يبتز بهم المجتمع الدولي. أكثر من ذلك، لا يُستبعد أن تتفاخر السلطة بالابتزاز الذي تمارسه، وأن تسوّق أي تنازل أممي كنصر سياسي لها.

الخلاصة السابقة لا تأتي من نافذة الهجاء، هي ضمن المنطق الأسدي الذي يرى فرصته الذهبية مع الوباء الحالي. نحن أمام سلطة تعاني من الإفلاس، ولا تكترث بمقتل عدد كبير ممن هم تحت سطوتها لتتخلص من واجباتها تجاههم. المنطق ذاته يعمل على خطين متوازيين، هما استفادتها القصوى من الأزمة وعدم الاكتراث بمصير السوريين الذين تراهم كعبء عليها، خاصة بعد تضحيتها بالكتلة الشابة من المجتمع السوري قتلاً على الطرفين وتهجيراً، وهي الكتلة الأساسية على صعيد العمل والإنتاج.

ما لم يكن للحسابات الروسية منحى مختلف، لن يقصّر الأسد في ابتزاز المجتمع الدولي بالسوريين الذين يعيشون خارج سيطرته بالتصعيد العسكري. قوات الأسد لم تتوقف عن الحشد والتمركز على جبهة إدلب، وكذلك الميليشيات الإيرانية، بما ينذر باندلاع مواجهة في أي وقت. لقد أدت الهجمات السابقة على التفاهم الروسي-التركي الأخير إلى تهجير ما يزيد عن مليون مدني، وتسببت بكارثة إنسانية ماثلة حتى الآن من خلال مخيمات تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الإنسانية والصحية، وهناك تحذيرات عالية المستوى من وصول الوباء إليها. لنا أن نتخيل حجم الكارثة المهول فيما لو قررت موسكو الشروع في هجوم جديد، واستغلت انشغال العالم بالوباء، بما فيه انشغال أنقرة والرأي العام التركي بتداعياته.

إن أي تصعيد، ولو كان محدوداً، ستكون له آثار إنسانية كارثية في ظروف تتطلب منتهى الحيطة بسبب الخوف من الوباء فوق المصائب المعهودة. اللجوء إلى التصعيد ضمن الظروف الحالية هو استئناف اعتيادي لجوهر الأسدية وجوهر حليفيها الروسي والإيراني، لكنه الآن يمكن أن يُستخدم كوسيلة مزدوجة؛ فإما استغلال الانشغال العالمي بالوباء لتحقيق مكاسب ميدانية، أو استدراج سعي دولي لإيقافه من أجل ابتزاز قوى دولية تتمنى أقل قدر من الكوارث في الظروف الحالية. كانت التصريحات الروسية قبل الانتشار العالمي للوباء تشتغل على مسارين، الثناء على الدور التركي والإشارة إلى خروق لوقف إطلاق النار تأتي من جانب الفصائل المدعومة تركياً، بما يحافظ على التهدئة ويُبقي على ذرائع الانقضاض عليها. التاريخ الذي يقدّم لنا أمثلة على تضافر الأوبئة مع الحروب لن يكون في حسبان موسكو، مثلما لا وجود له في حسبان الأسد وطهران، إذا لاحت بارقة استفادة من الاثنين معاً.

قد لا يحتمل اتصال محمد بن زايد ببشار الأسد أكثر من كونه مبادرة منفردة واتتها الفرصة مع كورونا، لكن الأسد لن يتوانى عن قطف ثمار الوباء إذا وجد استعداداً على نطاق أوسع من المبادرة الإماراتية. لا ينتمي إلى المجاز فقط القول أن الفيروس بطبيعته حليف القتلة، وقد وجد له حتى الآن حلفاء ممن يمثّلون أسوأ ما في السياسات الدولية، وأتى كهدية غير منتظرة لإيقاف الثورات في أكثر من بلد عربي، فلمَ لا يرى فيه الأسد فرصة للتكسب؟


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب