آخر تحديث:10:16(بيروت)
السبت 28/03/2020
share

كورونا الاستبداد والليبرالية

عمر قدور | السبت 28/03/2020
شارك المقال :
كورونا الاستبداد والليبرالية
تنقل لنا الأخبار القادمة من سوريا أفضل وأتفه تمثيل لسلطات الاستبداد، صور سيارات الإطفاء التي "تعقّم" الشوارع وقرارات حظر التجول منذ المساء حتى الصباح، ثم في النهار مشاهد الأجساد المتراصة للحصول على ربطة خبز. سلطة الأسد ستستغل المناسبة لتكون بين الموقعين على رسالة إلى الأمم المتحدة تطالب برفع العقوبات الغربية عن الدول المتضررة منها، بزعم تحسين قدراتها على مواجهة كورونا، مع التذكير بما دأبت عليه حتى الآن من انعدام الشفافية إزاء هذا الملف أسوة بنهجها الدائم إزاء جميع الملفات، وبصرف النظر عن جدوى العقوبات مع هذا النوع من السلطات. 

طهران، المعنية أيضاً برفع العقوبات، طردت منظمة "أطباء بلا حدود" التي كانت تنوي إنشاء مستشفى لمعالجة المصابين بسعة خمسين سريراً، وهذا رقم ليس زهيداً جداً مع شكوى جميع الدول من نقصان أجهزة التنفس الضرورية. من جهة أخرى، لم تتلكأ القيادة الإيرانية في استغلال الوباء سياسياً، بتوجيه اتهامات لواشنطن بخوض حرب بيولوجية ضدها، على الرغم من تفشي الوباء في الولايات المتحدة وصولاً إلى تصدرها قائمة الدول من حيث عدد الإصابات. 

في الصين، اقتصر مؤخراً الإعلان عن الإصابات القليلة الجديدة على أولئك العائدين من الخارج، وعلى العالم كله الاقتناع بأن السلطات قد استطاعت محاصرة المرض داخلياً بموجب إجراءاتها الديكتاتورية جداً. على العالم الذي شهد تعتيم تلك السلطات على الوباء حتى أصبح عالمياً أن يصدّق اليوم "الأسطورة" الصينية في احتوائه، بل أن يقتدي بها، والاقتداء ينسحب ضمناً على النموذج الديكتاتوري الصيني الذي ينبغي أن يثير الإعجاب بوصفه صانعاً النهضة والنمو أثناء سنوات من تراجع الاقتصاديات الغربية، وقادراً على حجْر الصينيين كما لا تستطيع فعله الأنظمة الديموقراطية. 

يتوجب علينا أيضاً تصديق الأرقام التي تعلنها موسكو، وبموجبها ليست قادرة فقط على احتواء المرض بل على مساعدة الآخرين، من دون أن نتوقف عند الأخبار التي تشير إلى عدم ملاءمة 80% من المعدات التي أرسلتها إلى إيطاليا، وذلك ما يحدث مع شحنات من الكمامات التي ترسلها الصين على سبيل المساعدة وهي غير مطابقة للمواصفات الصحية. كنا قد شهدنا نموذجاً آخر مشابهاً للاستغلال الإعلامي البشع، فمجموعة الأطباء الكوبيين التي ذهبت إلى إيطاليا من أجل المساعدة استهلت وصولها بلقطة تذكارية تحمل فيها صورة ضخمة لفيدل كاسترو، ومن المرجح أن تكون الصورة قد رافقت الفريق أثناء عمله في أفريقيا من قبل.

بالتأكيد الوضع في الديموقراطيات الغربية لا يمكن وصفه بالمثالي، فالأنظمة الصحية الغربية توالي انكشافها أمام ظرف استثنائي يعصف بها كالسيل. الشفافية الموجودة في هذه الدول تتيح إظهار نواقصها أو عجزها، وهو ما يحاول أعداء الديموقراطية استغلاله لصالح أنظمة الاستبداد والديكتاتورية. لكن، بعيداً عن ذلك الاستغلال الوضيع في مؤداه وتوقيته، يجب الانتباه إلى أن غالبية نخب اليمين والوسط الحاكمة في الغرب لم تتحرك على نحو استباقي جيد لمواجهة الوباء بعد افتضاح التكتم الصيني عليه.

بدرجات مختلفة، وبقصر نظر شديد، غلّبت الحكومات الغربية العامل الاقتصادي على معايير الصحة والسلامة العامة. في فرنسا مثلاً، ظهر قبل يومين تباين في الأرقام المعتمدة إحصائياً وتلك المعلنة من قبل جمعية الأطباء العامين، السبب هو طلب السلطات الصحية من المواطنين مراجعة أطبائهم العامين لتخفيف الضغط عن المستشفيات التي تعاني في الأصل نقصاً في الكادر الطبي والتمريضي، والنقص ثمرة عقود من تراجع الاهتمام بهذا القطاع الذي كان نموذجاً ساطعاً. في الجوار الألماني حيث النقص أقل، خاصة في الكادر التمريضي وفي أجهزة التنفس والإنعاش، سنرى نسبة منخفضة من الوفيات بالمقارنة مع العدد المعلن من الإصابات. مع عدم جهوزية البنية الصحية، تلكأت كافة الحكومات الغربية تقريباً في اتخاذ إجراءات وقائية ومن ثم سياسات مواجهة أكثر ديناميكية، كي تحافظ على النشاط الاقتصادي المعتاد، ولم تستفد الدول التي تأخر فيها ظهور الوباء من العبرة التي قدّمتها الدول الأسبق منها. 

إن تحليلاً سريعاً للبيانات الإحصائية يظهر ارتفاع نسب الإصابة إلى عدد السكان في العديد من الدول الغربية مثل الولايات المتحدة التي قفزت بسرعة إلى صدارة الترتيب العالمي وتنذر بتدهور دراماتيكي، وفي دول أوروبية قليلة السكان مثل بلجيكا والنمسا والسويد وسويسرا وهولندا، بينما يدل التباين في نسبة الوفيات على الكفاءة السابقة للنظام الصحي وأحياناً على مدى عدالته. ما يثير الانتباه بقوة أن الحكومات الغربية عموماً لم تعتمد استراتيجية مواجهة متكاملة، سواء مجتمعة أو منفردة، ووجه النقد الذي يمكن توجيهه إليها هو عدم التضحية اقتصادياً لإنقاذ أكبر عدد ممكن من حيوات السكان. التضحية الاقتصادية المبكرة كانت لتسمح، فضلاً عن الإجراءات المتأخرة، بإعلان حالة تعبئة صحية، تُستنفر فيها الطواقم الطبية والتمريضية من العاملين والمتقاعدين، ويتفرغ بعض الشركات استثنائياً لإنتاج اللوازم الطبية وخاصة توفير الاختبارات الخاصة باكتشاف المرض وتقليص الفجوة الهائلة بين عدد أجهزة التنفس الموجودة والطلب الطارئ عليها. ما لم تُقدم عليه الحكومات الغربية كان يمكن أن يقدّم للعالم النموذج الأصدق والأفضل، وما لم تفعله ربما كان ببساطة يتطلب قيادات أعلى إحساساً بمسؤولياتها الإنسانية، إذا لم نقل أشدّ تحسساً لوصفٍ إبتُذل بوفرة وهو الحديث عن المسؤولية التاريخية.

رغم كل الانتقادات التي بدأت تُوجه في الغرب لأداء الحكومات، يبقى الأمل منعقداً على المخابر الغربية في اكتشاف علاج مؤقت يسبق اكتشاف اللقاح ما لم تحدث مفاجأة عظمى. لننسَ ما يشبه الطرفة التي أطلقها رئيس الوزراء الروسي قبل أيام، بتصريحه أن بلاده تعكف على اختبار ستة لقاحات، فالرقم يدل على الاستهتار لا الجدية، والمخابر التي لها باع في هذا النوع من الصناعة معروفة عالمياً وعددها لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة. الفجوة ليست فقط بين المستوى الغربي المتقدم للأبحاث ونظيره في دول لم تتخلص من إرثها الديكتاتوري أو الاستبدادي، هي أيضاً في الديموقراطيات الغربية بين وجود مراكز صحية هي الأهم في العالم إلى جانب أنظمة صحية عامة ليست على السوية ذاتها.

لو لم يظهر أسوأ ما في أنظمة الاستبداد بدءاً من التكتم الصيني على الوباء، وأسوأ ما في الديموقراطيات الغربية بتأخر التعاطي الجاد مع الوباء، لما كنا اليوم أمام أرقام من المصابين تتصاعد بنسب مهولة كل يوم وعلى مدار الساعة. الأسوأ لم نصل إليه بعد بحسب ما تنذر تصريحات من هنا وهناك، لكن الأسوأ على المدى البعيد أن المؤشرات الحالية لا تعِد الناجين بأن عالم ما بعد كورونا سيكون قد استخلص درساً إيجابياً مما قبله.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

عمر قدور

عمر قدور

كاتب روائي سوري

مقالات أخرى للكاتب