آخر تحديث:08:55(بيروت)
الثلاثاء 24/03/2020
share

كورونا: أخيراً مصر تعترف

شادي لويس | الثلاثاء 24/03/2020
شارك المقال :
كورونا: أخيراً مصر تعترف تعقيم المتحف في القاهرة (غيتي)
بعد أسابيع من البيانات المتواضعة، أعداد محدودة من الإصابات، وخسائر في الأرواح ظهرت متأخرة وتعد على أصابع اليد الواحدة، انفجرت الأمور فجأة في الساعات الثماني والأربعين الماضية. كان ذلك متوقعاً، فالأخبار تأتي يومياً بإصابات لمسافرين وسياح قادمين من مصر، فيما كانت وزارة الصحة تكرر أنه لا إصابات في مصر، ولاحقاً واحدة هنا أو إثنان هناك، والمصابون غالباً من الأجانب. جاء قرار إغلاق الحدود، وتعليق الرحلات الجوية متأخراً ربما. الحكومة المصرية، كغيرها الكثير من الحكومات، كانت عيناها مركزتَين على الاقتصاد، الأولوية لحركة السياحة المتعافية أخيراً بعد انتظار طويل، في الأغلب كانت الاختبارات متوافرة في الحال للسائحين ومخالطيهم، وفاة واحدة بينهم وسيتضرر القطاع السياحي بشدة. تمنى المسؤولون، كالجميع، أن تمر الموجة سريعاً، بعض الحرص، وتقليل الضرر الذي سيلحق بحركة الاقتصاد، وكل شيء سيكون على ما يرام.

حكومات دول غربية وخليجية تضع مصر في نطاق الدول الموبوءة، وتنشر صحف أجنبية مقالات عن نسب مرتفعة للإصابة في مصر، التقارير ضعيفة ولا يمكن الاعتماد عليها، والسلطات المصرية ترد بسحب تراخيص عمل صحافيين أجانب. سوء النية غير مرجح، لم تتعمد الحكومة إخفاء حجم الانتشار، وفي الأغلب لا تكذب أيضاً بشأن الأرقام. لكن المزحة الرائجة هذه الأيام كافية لتفسير الأمر. يقول المسؤول: لدينا 28 حالة إصابة فقط، ويسألوه وكم عدد من خضعوا للاختبار، فيرد: 28 حالة. نكتة ذكية بالفعل ومضحكة، في البداية على الأقل. السؤال الأهم ليس عدد الإصابات، بل توافر مراكز الفحص، وتوزيعها، وسهولة الوصول إليها، وعدد من فحصوا. ماذا سيحدث للمعزولين وأُسرهم؟ في الأغلب سيفضل الكثيرون إخفاء أمر إصابتهم وإصابة القريبين منهم، طالما لا دعم أساسياً في حال توقفهم عن العمل؟ ماذا سيفعل رب أسرة يعمل في السوق غير الرسمي حين يشعر بأعراض المرض؟

الحكومة تعطل المدارس، وترغم المقاهي على الإغلاق في بعض المناطق، وبعدها دور العبادة، لكن دورة العمل مستمرة، والحركة في الشوارع كما هي. الدولة تضخ أموالاً في الاقتصاد بغية تحريك السوق، وتخفيف خسائر أرباب العمل والمستثمرين، لكن لا شيء بخصوص العمالة المتضررة، التي إما فقدت وظائفها بالفعل، أو مطلوب منها أن تعزل نفسها مع أول علامات للإصابة. مصر ترسل شحنات من المعدات الطبية كمساعدة للصين، وبعدها إلى إيطاليا. تبدو مصر أكثر من مستعدة، ولديها فائض أيضاً.

بعد غياب طويل ومثير للشكوك، يظهر الرئيس فجأة، في لقاء بمناسبة عيد الأم. الفرصة مناسبة ليعلق أخيراً على الوباء الذي أصبح حديث العالم، ويخبرنا بصدق كعادته: "مصر ربنا حاميها"، يتحدث عن اللطف الرباني بنا، وستره، ويرفع أصبعه ليقطع جملته "لغاية دلوقتي". يقول لنا ما نعرفه بالفعل، إن حدث وانتشر الوباء فمثلنا مثل دول العالم، الأمر ليس قاصراً علينا، مصر لن تكون استثناء. ويقضي معظم الوقت، في حديثه المكرر، الذي لا يفوت فرصة ليعيده علينا: نحن صادقون، وهم يشككون فينا، ويتقولون علينا، ويعود ليتكلم عن وسائل التواصل الاجتماعي، وما يقال فيها، و"المصريين دمهم خفيف". وفي النهاية يرفع الرئيس يديه، ويبدأ في إلقاء دعاء طويل أمام الكاميرات.

في اليوم نفسه، الأحد، تعلن القوات المسلحة، وفاة لواء قيادي في الإدارة الهندسية بالجيش، الإشاعات التي دارت حول انتشار للمرض بين صفوف القوات المسلحة قبل أسبوع أو أكثر تكتسب اليوم بعض المصداقية. في الصباح التالي، يعلن الجيش وفاة ثانية، لواء آخر في الإدارة نفسها. نسبة الوفيات عالية، اثنان، في أقل من أربع وعشرين ساعة، وفي إدارة واحدة، فكم عدد الإصابات فيها؟ وفي بقية الإدارات والفروع؟

تكتسب الحكومة الكثير من المصداقية بإعلانها الوفاتين، وتنتهز الفرصة لتخبرنا بأن القياديين العسكريين أصيبا أثناء اشتراكهما في "أعمال مواجهة فيروس كورونا"، ولا تخبرنا بنوعية تلك الأعمال، ولا تخبرنا كيف تنتهي بقياديَين في الإدارة الهندسية إلى الإصابة. غالباً، سيتوالى الإعلان بشفافية عن حالات الوفاة العسكرية، أو على الأقل إلى حين، والأمر لا يستدعى الكثير من التفكير لفهمه. القطاع الصحي العسكري عالي الكفاءة، والقيادات بوجه خاص ستتوافر لهم إمكانات التحليل، أولاً بأول. مرة أخرى، السلطات حقاً تعلن كل الحالات التي يتم تشخيصها، لكن السؤال هو عمن تتوافر لهم إمكانية التشخيص أصلاً.

جريدة الشروق تستشهد بوكالة "بلومبرغ": "البورصة المصرية الأعلى صعوداً عالمياً، بفضل مبادرة السيسي"، ووزارة الصحة تعلن أن الإصابات وصلت إلى 24 محافظة من بين 27 محافظة، تقريباً في مصر كلها. مستشفى خاصة تغلق أبوابها في القاهرة بعد إصابة أحد الأطباء، ومصنع غزل المحلة- واحد من أكبر المصانع المصرية كثيفة العمالة، يصرف جميع عماله بعد شكوك حول إصابة بعضهم.

تؤخر السلطات المصرية إجراءات قاسية وضرورية وطارئة، تستدعي وقف الأعمال غير الضرورية وحظر الحركة، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان تدفق الاحتياجات الأساسية ووصولها للجميع في بيوتهم، إجراءات اتخذتها دول عربية أخرى بالفعل، والكثير من دول العالم. تفشي الوباء أصبح اليوم شبه مؤكد، ولا يظهر أن هناك الكثير من الوقت لتضييعه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها