آخر تحديث:07:07(بيروت)
الأحد 22/03/2020
share

كورونا: روحاني وورقة التوت

حسن فحص | الأحد 22/03/2020
شارك المقال :

لم يكن ينقص الرئيس الايراني حسن روحاني سوى انتشار فيروس كورونا واقترابه ليكون "وباءً" في ايران لتكمل دائرة الحصار حوله من القوى والاطراف التي لم تعد تحتمل بقاءه على رأس السلطة التنفيذية، خصوصا وان هذا الاطراف حملت روحاني وحكومته وادارته مسؤولية الازمات الاقتصادية التي واجهتها البلاد وفاقمت ازمة الثقة بين النظام وقيادته من جهة والشعب الايراني من جهة اخرى. 

وازمة روحاني قد لا تقتصر على ما يواجهه في الداخل، بل تضافر ضده ايضا الموقف الامريكي المتشدد من النظام الايراني، والذي لم يكتف بالانسحاب من الاتفاق النووي والعودة الى فرض سلسلة من العقوبات الاقتصادية الخانقة وغير المسبوقة، بل ايضا رفض اي امكانية للتعاون مع الحكومة الايرانية في مواجهة ازمة مكافحة الوباء المنتشر، حتى في تلبية دعوة بعض الاطراف الدولية لرفض جزئي للعقوبات بما يسمح للحكومة بالاستعانة بالجهود الدولية واستيراد ما تحتاجه من وسائل تساعد على مكافحة هذا الوباء. 

فالانتقادات الداخلية لروحاني وادارته لم تتراجع على الرغم من الازمة التي تمر بها ايران جراء الوباء والبحث عن سبل مواجهته، وقد رفع من وتيرتها ما يمكن تسميته بـ"التخبط" الذي ظهر في القرار التي اتخذتها الحكومة والمواعيد التي عينها روحاني نفسه للخروج من هذه الازمة، فضلا عن الارباك الذي اصاب ادارات الدولة في التعامل مع هذه الازمة. 

الا انه لا يمكن القول ان روحاني كان مطلق الحرية لاتخاذ القرارات التي تساعد على التصدي لازمة الكورونا، فهو لم يكن قادرا على اتخاذ قرار بفرض "الحجر الصحي" حتى على العاصمة طهران واعلان منع التجول والاقفال في جميع المؤسسات الرسمية والخاصة والقطاعين العام والخاص، فمن جهة يدرك ان الحكومة التي يرأسها غير قادرة على تنفيذ المرحلة الثانية ما بعد اعلان الطوارئ والاقفال، لانها تتطلب إجراءات تتعلق بتأمين احتياجات السكان الغذائية والمعيشية، اي رصد ميزانية مالية لتلبية هذه الاحتياجات، وهو أمر خارج قدرات الحكومة في ظل الأزمات الاقتصادية والعقوبات وتراجع المردود المتواضع لبائعات النفط التي مازالت تخرج من ايران عبر الالتفاف على العقوبات الامريكية، فضلا عن ان روحاني اكتشف ان القرار الاستراتيجي في مواجهة هذه الازمة والازمات الاخرى التي تفجرت بوجه حكومته لا يقع في دائرة صلاحيات السلطة التنفيذية، بل في دائرة صلاحيات السلطات العليا بما فيها المؤسسة العسكرية وتحديدا مؤسسة حرس الثورة التي عملت على تقديم نفسها على أنها المبادر الوحيد والجدي في التعامل مع هذه الازمة، من خلال اعلان التعبئة العامة والحرب المفتوحة مع الوباء بغطاء مباشر من الموقف الذي اعلنه المرشد الاعلى الذي كلف قائد اركان القوات المسلحة الجنرال محمد باقري الاتي من حرس الثورة بتشكيل غرفة عمليات لمواجهة هذا الوباء. 

فالاجراءات التي قامت بها المؤسسة العسكرية، سلبت من الحكومة وروحاني اخر ما يمكن ان تراهن عليه على المستوى الشعبي، فبالاضافة الى تراجع الثقة الشعبية بمؤسسات النظام، ها هي الان تفقد ما تبقى من ثقة بالحكومة، ما يعني ان الهامش الذي سبق لروحاني وحكومته ان وظفته لابعاد الاتهامات عنها بالعجز عن معالجة الازمات قد ضاق وتراجع الى الحد الادنى، على الرغم من ادراك المجتمع الايراني ان تراجع الثقة ليس سوى نتيجة طبيعية وحتمية لتراجع الثقة بين الحكومة وقيادة النظام ومؤسساته الماسكة بمفاصل الامور والقرار. وهو ما ينعكس على فعالية وانتاجية مؤسسات الدولة والنظام في التعامل مع هذه الازمة كما حصل مع غيرها من الازمات السابقة والازمات التي ستلي.

قد يكون اللجوء الى الاستعانة بالمؤسسة العسكرية في الكوارث والازمات الطبيعية والانسانية مسوغا، وهو ما لجأت له الكثير من الدول في التعامل مع انتشار فايروس كورونا، الا ان ما يثير الخشية في الازمة الايرانية ان الاستعانة بالمؤسسة العسكرية تأتي في ظل عدم خضوع هذه المؤسسة لقرارات السلطة التنفيذية، فالرئيس لا يملك اي تأثير عليها، وقرار الاستعانة بها جاء من سلطة أعلى دستوريا من السلطة التنفيذية، اذ تعتبر هذه السلطة المرجعية العليا لهذه المؤسسة. من هنا فان الاجراءات التي تقوم بها هذه المؤسسة قد تأخذ بعدا مختلفا عن سواه في الدول الاخرى، وقد يضاف الى الاجراءات التي اتخذتها في مواجهة ازمة الاعتراضات وموجة التظاهرات التي شهدتها ايران نهاية العام الماضي بعد قرار رفع اسعار الوقود.

قد تساهم ازمة فايروس كورونا باستكمال حلقة الحصار على روحاني بعد الخروج منها والانتهاء من احتوائها، وقد تؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات النظام، وتحديدا مع البرلمان الجديد الذي لم يبدأ بعد مهماته الرسمية التي تأجلت بسبب انتشار الفايروس، وقد تذهب الامور الى ادراج موضوع "استجواب" الرئيس روحاني امام البرلمان على اجندة اعمال النواب. الامر الذي قد يفتح الامور على تطورات داخلية تسحب من روحاني ما تبقى له من صلاحيات وقرارات لصالح الرؤية التي خاض التيار المحافظ معركته السياسية والانتخابية على اساسها مؤخرا، اي نحو مزيد من التشدد على اعتبار ان ايران تمر في معركة مفتوحة مع "العدو" وهنا الادارة الامريكية برئاسة دونالد ترمب، وقد تسمح هذه المعركة بابقاء روحاني في موقعه من دون الحاجة الى الدخول في انتخابات مبكرة لم تنضج بعد ظروفها الموضوعية التي تسمح للتيار المحافظ باستعادتها، وتبعد الحاجة الى استخدام الذراع الامنية لمواجهة موجة محتملة من الاعتراضات الشعبية هي بغنى عنها في هذه المرحلة. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها