آخر تحديث:06:51(بيروت)
السبت 21/03/2020
share

ليس لدى"الكورونير"من"يكارنه"

أحمد عمر | السبت 21/03/2020
شارك المقال :
ليس لدى"الكورونير"من"يكارنه"
نجا آسيوي مسكين من الموت في أم الدنيا والسيارات المصرية تفرُّ منه فرارها من الأسد أو فرارها من حفتر، وتهمُّ بدعسه، والسائقون يطردونه، فذكّرني المسكين الضلّيل، بفيلم هندي قديم، وهو أول فيلم رأيته في حياتي عنوانه "صداقة"، وهو عن صحبة بين أعرج وأعمى، يفقد الأعمى في أحد المشاهد عكازه، ويغني "داري مي جو" أي ضاعت عصاي، وعصاه عينه، فعميَ مرتين!

أخبرونا أن نظام البراميل يقتل المصابين، أو يقتل طائفة منتخبة منهم، ولا مدعاة للقسم والحلفان، فالنظام كان وما زال يقتل الأصحّاء فلمَ يبخل على المرضى وتكلفة الكمامة أغلى من الرصاصة؟ هو يدمِّر الحاضنة الشعبية ومحضونها. الصحِّة تاج على رؤوس الثوار لا يراه إلا النظام. لقد أعدم أمّة بكاملها أو نصفها على الأقل. أخبرني طبيب أنَّ النظام كان يقتل المصابين بالإيدز أول ظهوره، وعُزّزت شهادة الطبيب بشهادة أحد الموالين الساخرين. المشكلة هي أن الكورونا ينتشر ويتفشى باللمس، بينما كان سلفه الصالح ينتشر باللمس أيضا، لكن بعد تبديل حرف فيه، أو هو لمس بعضو الذرية.

لا أستطيع أن أدّعي أني سعيد بمعرفة فيروس الكورونا، لكنَّ النفس أمّارة بالسوء، والشماتة ليس من المروءة، والشماتة هنا هي بالذات، فالكورونا تداهم الكوكب، وسمعت النّواحة تنشد: مع كورونا هلَّت البشاير.

 الكورونا فيروس غير عنصري وشامل وارتوازي، وقد واسى السوريَّ، وعطف عليه، فلم يعد موظفو المطارات يخافون منه وحده، فهم يتوجسون من الصيني، أو كان كذلك أول تشريقة الوباء، أو ممن يسمّون بأصحاب الملامح الآسيوية من غير حزام ناسف. عطسته هي الناسفة. ولم يكن موظفو الحدود يضعون الكمامات خوفاً من السوري، بل كانوا يعتقلونه من غير كمامات، بل إنَّ المطارات نفسها أُغلقت، وجثمت الطائرات في أعشاشها، مثل طيور معدنية على بيض الرحلات.

لقد رُفّع هذا الفيروس ملكاً متوجاً، رُفّع ترفيعاً أسرع من السيسي الذي صار مشيراً في غمزة عين عاشقة، لقد أمسى الفيروس قائد القارات السبع، إسكندرها الصيني، إمام العالم، الفظيع الركن، المشير المشيب، القائد الضرورة، راعي الكمامات والكمامين، ملك ملوك آسيا وأوربا وأفريقيا. وفرض الإقامة الجبرية على قارة أوربا المدللة، وبعض قارة آسيا، وهو يزداد قوة وشباباً، ليس الوحيد لكنه الأفضل.

 السيد الفيروس أندى من السيسي وأكرم من الأسد، لأن مدة حجر الكورونا هي ثلث مدة حجر السيسي الإدارية التي تبلغ 45 يوماً، وهي مدة دوَّارة مثل قرص الساعة. إيران أفرجت عما يقرب من مليون سجين إفراجاً مؤقتا، بينهم السياسيون، توفيراً للاقتصاد، وتوقّياً من فشاء المرض، ستعيدهم في حال العثور على لقاح، وهذا أمر يطول، سنة أو سنتين. الأسد لم يفرج عن أحد، ولا السيسي، لأنهما موظّفان لمحاربة الإرهاب. ووجدتُ أنَّ سجون إيران سجون فارهة وكبيرة وللسجناء أسرّة وطعام!

 لقد جعلنا الكورونا بلا دين تقريباً وبلا دنيا أيضاً، فلا دين الحداثة، ولا دين الأصالة. ودين الحداثة كرة القدم، ودين القدامة الدينُ القيّم. لا جمعة للمسلمين ولا موعظة لأصحاب الأحد، الديمقراطية مؤجلة، وعندنا هي محرَّمة منذ عرفناها.  الكورونا سيكون الصوت الوحيد في الانتخابات العربية القادمة، أو على الأقل الصوت المعطل.

أمس كان عندي موعد مع محام عربي في المانيا، منعني زميله من الدخول، وخرج المحامي واعتذر، ومدَّ يده ليصافحني فلم أجد بدّاً من مصافحته، وخطر لي أن أقول له: "لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك"، لم أكن أريد أن يصافحني، فوصيَّة كليب للزير سالم بكلمات أمل دنقل هي: لا "تصافح"، ولو منحوك الذهب/ أترى حين أفقأ عينيك/ ثم أثبت جوهرتين مكانهما/ هل ترى؟ / هي أشياء لا تشترى"، وكان أمل دنقل أشدُّ ثأراً من الزير سالم نفسه، فثأر الزير ثأر أخ، وثأر أمل دنقل ثأر وطن.

 تعلمتُ مثل غيري طريقة لبس القفازات، وهي تحتاج إلى معلم، وتدربتُ أياماً على غسل اليدين حتى أصبحت ماهرا فيه وتقشَّر جلدي، وحمل بعضهم قارورة الكحول في جيبه، لكن لا ينصح بشربها، فهي لا تطهِّر الأمعاء. قابيل قتل هابيل بحجرة وليس بعطسة، لو كان مصاباً بالكورونا لعطس في وجهه وسُجلت الجريمة ضد مجهول. المطربة الخليجية أحلام وضعت كمامة من الألماس، ونحن لا نعثر على كمامة ورقية!  قبل فترة أعلن تلفزيون عربي عن برنامج للذين أسرفوا على أنفسهم، عنوانه "الملكة" لكنهم امتنعوا عن بثِّه بعد حلقتين، بسبب استعلائه وبذخه، ربما غارت زوجات الملوك من البرنامج!

تقول الموعظة: أنت في خوف المرض في مرض. لا يستطيع أحد أن يوصي بعنوان كتاب " دع الكورونا وابدأ الحياة"، الصحيح: دع الكورونا وابدأ الحجر الصحي، فالخوف شامل. أغلب المياه في ألمانيا كلسية، هم يشربون مياهاً معدنية، إذا بدأ الحجر قد ترمي علينا الطائرات الألمانية الطعام والماء، ربما نأكل أرانب الحديقة مثل أهل الغوطة، سيعاني العالم، "ليذيقهم بعض الذي عملوا" وليذيقهم بعض معاناة الغوطة وغزّة.

هل نقدِّم الساعة في الانقلاب الشتوي القادم، أم إنَّ الساعة اقتربت كثيراً وتقدّمت من غير خيل ولا ركاب. هناك شائعات عن عودة الدواعش تضامناً مع الكورونا، وتنافساً معها، الدواعش كتبوا على باب الكهف: سنعود بعد قليل ونقطع دابر الكورونا.

  لا أحد يحفل بالدواعش، ولا بالثورة السورية التي مرّتْ ذكراها التاسعة سربا، فالكورونا على الأبواب وعلى النوافذ ومن فوق الحيطان، وهو يفتك بالشيوخ وكبار السنِّ. لو ظهر السيسي في خطاب كورونا، لقال: "كده، أيوا صحيح، خلال شهر واحد ح امسك البلاد كده". لا يهمه وباء، لعله سعيد به، فلطالما اشتكى من كثرة النسل، هو مذعور من الإخوان، الإخوان أشدُّ عليه من الكورونا.

 ليس عند معظم السوريين مال يخزنِّون به الطعام، الجميع ضعاف ومفقرين، شباباً وشيباً، وهم مقصيّون ومخصيّون. ووجدت بعد تفكير أنَّ الزجاجة وراء الأسد كانت سائل تعقيم، وأنَّ الوباء قد وحَّد العالم في الخوف، وفرَّقهم في الحبِّ. وقعت أكبر هجرة جماعية على كوكب الأرض، فثمة نزوح عالمي إلى محاجر التواصل الاجتماعي. شحَّ نصيبنا من الصدق والصداقة، وكان بطلا الفيلم الهندي؛ أعمى وأعرج.

  الأعمى هو الغرب الراكض نحو الهاوية، والشرق هو الأعرج المتعثر بعكازته.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها