آخر تحديث:06:26(بيروت)
الأحد 15/03/2020
share

العراق في النفق الأميركي الإيراني

حسن فحص | الأحد 15/03/2020
شارك المقال :

قد تشكل الاشارة التي تضمنها بيان رئيس الجمهورية العراقية برهم صالح حول الغارات الامريكية التي استهدفت عدداً من معسكرات تابعة لاحد فصائل الحشد الشعبي (كتائب حزب الله) والجيش والشرطة في محافظات وسط العراق (الحلة وكربلاء والنجف) وتحديدا في منطقة جرف الصخر (او جرف النصر حسب التسمية الجديدة بعد القضاء على داعش)، القلق الحقيقي من التداعيات المستقبلية لهذه الغارات وردود الفعل الانتقامية الامريكية على الاستهدافات التي تتعرض لها القواعد العسكرية للتحالف الدولي وتحديدا قاعدة التاجي والتي ادت الى سقوط ثلاثة قتلى (أمريكيان وبريطاني) وعدد من الجرحى. 

صالح تحدث في معرض ادانته للغارات الأمريكية عن أنها "تؤدي الى اضعاف ممنهج وخطير لقدرات العراق وهيبته، وأن من شأن هذه المخاطر اذا ما استمرت، الانزلاق بالعراق الى حالة اللادولة والفوضى، ولاسيما اذا ما تواصل التصعيد الامني مع توفر مؤشرات حول محاولة عناصر داعش الارهابي استعادة قدرتهم على تهديد أمن الوطن والمواطن". 

هذا التحذير للرئيس العراقي يلتقي مع قراءة ايرانية تبنتها فصائل الحشد الشعبي المتهمة امريكيا بالوقوف وراء هذه الاعتداءات، خصوصا كتائب حزب الله وعصائب اهل الحق وحركة النجباء التي تعتبر من اهم التشكيلات المنضوية تحت مسمى "فصائل المقاومة العراقية" التي أُعلن عن تأسيسها بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس. طهران اكدت عدم علاقتها أو أي من حلفائها العراقيين بالاعتداء الصاروخي على التاجي وذهبت إلى أبعد من ذلك باستدعاء السفير السويسري في طهران الذي تتولى بلاده رعاية المصالح الامريكية في ايران وابلغته رفضها للاتهام الامريكي لها بالوقوف وراء هذا الاعتداء، وذلك بالتزامن مع نفي الفصائل العراقية اي مسؤولية لها عن هذا الهجوم، متهمة شركات امنية تعمل بمعزل عن البنتاغون والسفارة الامريكية لصالح وكالة الاستخبارات المركزية القيام بهذا الاعتداء. 

اوساط على علاقة بحرس الثورة وفيلق القدس ابدت قلقها من الابعاد الامريكية في اختيار المواقع التي تم استهدافها، خصوصا تلك الواقعة في منطقة جرف النصر والمسيب والنجف والاسكندرية، والتي تستخدمها وحدات من كتائب حزب الله وافواج الطوارئ ومغاوير الفرقة 19 والقوة النهرية والطبابة والاتصالات والكهرباء اضافة الى مطار كربلاء قيد الانشاء. واعتبرت هذا الاستهداف "خطيراً جداً" لان هذه المواقع تدخل في اطار محور "حزام أمن الوسط" المتصل مع منطقة عامرية الفلوجة ومنطقة النخيب من جهة كربلاء، وبساتين المسيب والاسكندرية وصولا الى المحاويل وجبلة ، وهي المناطق التي كانت تعتبر من اهم الحواضن لتنظيم داعش ومصدر تهديد اساس لمحافظتي كربلاء والنجف وامتدادهما الى محافظات الفرات الاوسط، وقد شهدت هذه المناطق اشد واشرس المعارك بين القوات العراقية والحشد الشعبي مع عناصر تنظيم داعش منذ عام 2014 في عملية تأمين المحافظات الدينية ومنع تمدد التنظيم الى الوسط. 

هذه القراءة العسكرية والامنية الايرانية تستعيد المخاوف القديمة في التعامل مع الانتشار الامريكي في منطقة شرق الفرات السورية واتهام الادارة الامريكية بالعمل على تأمين ملاذ آمن لعناصر داعش الفارين من مناطق الاشتباك مع النظام السوري وحلفائه في الداخل السوري باتجاه صحراء الانبار ووصولا الى الموصل، ومحاولة تجميعهم في مناطق لا تخضع لسيطرة القوات العسكرية والحشد الشعبي العراقي واعادة تنظيمهم من اجل تنفيذ مهمة جديدة تستهدف اما ضرب محافظات الفرات الاوسط وتحديدا المحافظات الدينية في كربلاء والنجف وحتى اغتيال المرجع الاعلى السيد علي السيستاني، واما تحويلهم لنواة القوة العسكرية والامنية التي سيعتمد عليها مشروع اقامة اقليم سني في المحافظات الغربية الذي يمهد الطريق لتحويل العراق الى كونفدرالية من ثلاثة اقاليم (سني وكردي وشيعي) كمرحلة اولى للتقسيم. وقد اختبر الجنرال سليماني قبل نحو سنة الجدية الامريكية في التعامل مع فلول تنظيم داعش بعد السيطرة على مدينة الرقة، عندما نسق مع قوات الحشد الشعبي عملية استهداف تجمعات بقايا عناصر داعش في مناطق انتشارهم داخل الاراضي العراقية على طول الحدود مع سوريا من دون تنسيق مع قوات التحالف الامر الذي اثار – حسب الرواية الايرانية – انزعاج واشنطن التي قامت باستهداف بعض مواقع الحشد حينها. 

وتعتقد هذه الاوساط الايرانية ان العدوان الامريكي الجديد يكشف عن مخطط خطير لاحداث فراغ أمني هائل بعد تدمير كل تلك المقرات ، تمهيدا لزحف ارهابي نحو هذه المناطق في سياق ما يجري منذ أشهر من إعادة توطين بقايا داعش ، سواء التي كانت في محميات القوات الامريكية غرب العراق، أو التي تدفقت مؤخرا من سوريا وكانت حليفا لأمريكا. وهو تهيئة لمسرح عمليات قادمة ، خاصة إذا ما اخذ بالاعتبار ان هذا المحور يعتبر الحزام الامني الجنوبي للعاصمة بغداد وخط الدفاع الاول عنها، ما يعني ان المرحلة المقبلة ستشهد تغييرات واضحة في الاستراتيجيات الامنية لدى كل من الفريقين الامريكي والايراني. 

قد تكون المخاوف العراقية من تحويل اراضي هذا البلد الى ساحة لتصفية الحسابات وتوجيه الرسائل بين طهران وواشنطن محقة، وهو ما دفع المرجعية العليا في النجف الى الدخول المباشر على خط التحذير من المآلات التي قد تنتهي لها هذه التطورات، خصوصا بعد الاستهداف الثاني لقاعدة التاجي يوم السبت في 14/3/2020، وما تعني من القضاء على ما تبقى من سيادة عراقية وما تستبعه من انهاء لدور المؤسسات الرسمية خاصة المؤسسة العسكرية والامنية التي من المفترض ان تلعب الدور الاساس في حفظ الامن والدفاع عن السيادة الوطنية لصالح فوضى امنية وعسكرية لن يكون المستفيد منها سوى الجماعات المسلحة غير المنضبطة وغير الرسمية، ما قد يدخل العراق في نفق مجهول.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها