آخر تحديث:23:58(بيروت)
الجمعة 13/03/2020
share

سوريّا حديقةًّ خلفيةً للعالم

أحمد عمر | الجمعة 13/03/2020
شارك المقال :
سوريّا حديقةًّ خلفيةً للعالم
اقترضت أدبيات الصحافة السياسية من معاجم ثقافة البيت وقواميس شؤون المطبخ، أوصافاً لشؤونها وأحوالها المعقدة، ومن جنس الرياضة، عبارات أشهرها "غيم أوفر"، ومن فن العمارة والمنازل وصف "الحديقة الخلفية" تعبيراً عن الأمن القومي.

السياسة هي أمّ الشؤون كلها.

 وللأمن القومي شؤون كثيرة، سياسية واقتصادية وثقافية وزراعية، المثل يقول الجار قبل الدار. يبلغ الأمن أقصاه حرباً. جعل الأسد لبنان حديقته الخلفية، وكانت سوريا كلها حديقته الأمامية، لكن اللعب والزرع والثمر كان ممنوعا فيها منعاً من وهنِ نفسية الأمة وإضعاف الشعور القومي. حوّل الأسد لبنان إلى خندق أيضاً، ولم يألُ جهداً في السعي إلى التحرش ببقية الجيران ؛الأردن والعراق، غير إسرائيل طبعا، وإلا تحولت سوريا إلى حديقة خلفية لهما. الفلسطينيون هم القضية المركزية في الشرق الأوسط والعالم، وكانت القدس وما تزال جسراً بين السماء والأرض، وفلسطين نفسها صارت بوعد بلفور حديقة خلفيةً للغرب في الشرق، والغرب له خبرات عريقة في فن التشجير والبستنة السياسية في الحدائق الأمامية والخلفية. جمع الغرب بين الفضيلتين، ضربة على الحافر وضربة على النافر. النافر هو تعطيل الحياة في الحدائق العربية والحافر هو فأس الحطّاب الذي كلفته برعاية الحديقة العربية.

 وافقت أمريكا ومن حولها من القوى العظمى على جعل لبنان حديقة خلفية لسوريا الأسد، وللرئيس الأمريكي وللأسد مآرب متوافقة. برهن الأسد أنه حطّاب لا يبارى، فأمريكا تريد البلاد العربية حطبا، وأحزمة عفة أمنية لإسرائيل، والأسد الأب كان يريد أمن عرشه الطائفي، ويخشى من نزوح المعارضة السورية إليها وتحويلها إلى خندق معاد، ورميه بالحجارة من الحدود القريبة. وله مآرب في مغانم الغزو الكثيرة، مثل بنوك لبنان، وخبرته الاقتصادية والمالية والثقافية التي حالَ التنازع الطائفي وتوازنها دون تدمير لبنان تدميراً كاملاً كما دمرت سوريا، واكتساب صفة اللاعب الإقليمي. وسميت بيروت بفضل ذلك التوازن سويسرا الشرق، وكانت كعبة المضيوم. تحوّل لبنان إلى حديقة خلفية سوريةٍ فاسدة.  لم يحكم الأسد السيطرة الكاملة على الحديقة الخلفية السورية فحواجز كثيرة تحول دون ذلك مثل امتدادات طوائف لبنان في الغرب، فاستفاد فائدتين أخريين هما تذوق الثمار التي تطرحها المعارضة على صحف بيروت وتنفيس المرجل، وكان مثقفو النظام يتنفسون فيها) وكدت أحذف حرفين من الفعل(، لأنّ صحف سوريا يجب أن تبقى عذراء، وطاهرة من الدنس. 

 خريطة الحدائق الخلفية العربية، تظهر فوارق القوة والعمران والثقافة والثروات:  

 العراق الذي صار اسمه صدامستان، طمع في الكويت وسعى إلى جعلها حديقة خلفية، فاستحال مقبرة. عبد الناصر غزا اليمن، بعد أن فقد السودان، ومصر السيسية التي تهمُّ بغزو السودان، صارت حديقة خلفية للإمارات العربية ومقبرة للثورة، وبعض المقابر حدائق غنّاء. حال الدول العربية: حطّاب جاهل وجبانات خلفية.

الإمارات الناشئة طامعة في تونس والجزائر وسوريا أيضا كحدائق خلفية، تحولت السعودية أو توشك أن تكون حديقة للإمارات، وكان للسعودية أشجار ومشاتل وبستانيين في كل الدول العربية، التقدمية خاصة. وكل زعيم عربي يحبُّ فن الرياض والبساتين ذرائع تاريخية، فالأسد يعتقد أنّ سوريا هي عاصمة بلاد الشام، وصدام كان يرى أن الكويت جزء من العراق، ومصر والسودان كانتا دولة واحدة، والجماهير العربية تحبُّ الوحدة وتصفق لها ولو بالقوة، وترغب أن تصير البلاد حديقة واحدة، لكن الواقع هو أن الحطّاب هو البستاني، فيه الخصام وبيده الفأس والمعول.

  أمريكا هي أقوى دولة في العالم عسكرياً واقتصادياً، ولها حدائق بعدد أيام السنة في العالم، بعض الحدائق ليس بها شجرة واحدة، هي ساحات يمكن تحويلها إلى ملاعب، الحديقة أحياناً ثروة تحت الأرض، وأحيانا أشجارها بشر سيكونون حطبا في شتاءات الغرب، فكثير من حدائقها الخلفية في الصحراء. وروسيا العظمى لا تقل عن أمريكا استعماراً وحباً للحدائق، فقد أغراها الأسد بسوريا، فأحبّت أن تستحم في حديقة خلفية بعيدة تطل على حمام البحر الأبيض المتوسط، وهي تطمع في ليبيا، فهي القوة العسكرية الثانية في العالم، وفرنسا أغارت على مالي بأموال إماراتية حديثا، أما قديما فتاريخ الاستعمار الأوربي حافل بالدماء سعيا وراء الحدائق والعصافير، وكذلك الحملة الروسية ممولة بأموال الإمارات خوفاً من صناعة حدائق قد تغار منها الإمارات. كانت الحدائق الخلفية دائما أرقى من الحدائق الأمامية وخير مقاما وأحسن نديا.

الصينيون نمل بشري، النمل أقوى كائن على وجه الأرض، لا يقهر كما تقول موسوعات عالم الحيوان، فقد جعلت الصين حدائق العالم الأمامية والخلفية سوقا لبضائعها، مستغنية بها عن الغزو العسكري، فصارت ثاني أكبر قوة اقتصادية لولا الكورونا لبلغت الرتبة الأولى في سنوات قليلة.

 اتسع مفهوم البستنة والحديقة الخلفية، بنوع جديد من الاستشراق من غير مشقات الأسفار والرحلات، هو؛ شبكات التواصل الاجتماعي التي نتطوع فنعترف من وراء زجاجها بذنوبنا، لمن لا يخاف الله ولا يرحمنا، فأصحاب شركات التواصل الاجتماعي أمثال مارك زوكر بيرغ يُستقبلون مثل ملوك الدول، ولهم سفارات في كل الدول، وإن لم تكن لديهم دبابات وصواريخ، لكنهم أقوياء وحطابون بالقلوب الحمراء، وبحجب الرأي أو إشاعته. فيسبوك وتويتر وسواهما حدائقنا الخلفية سواء كنا مقيمين في الحديقة الأمامية أو نازحين إلى الحدائق الخلفية البعيدة.

تحدثنا عن الحدائق الخلفية، والشجر سكانها والثمر كثير، لكن لا يطال، وما كل هذه الحروب إلا لمنعنا من ثمار شجرتين هما:

 النخلة وهي عمتنا

وشجرة الزيتون وهي خالتنا.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها