آخر تحديث:13:08(بيروت)
الثلاثاء 04/02/2020
share

كوشنر وعقدة مينا هاوس

شادي لويس | الثلاثاء 04/02/2020
شارك المقال :
كوشنر وعقدة مينا هاوس مؤتمر السادات في "مينا هاوس"، والذي لم يحضره الفلسطينيون

قرأ 25 كتاباً عن الصراع العربي الإسرائيلي، قبل أن يصل إلى الصيغة النهائية لصفقة القرن.. هذا ما يقوله الفتى المدلل، كوشنر، عن نفسه، ليدلل على المشقة التي تكبدها ومدى إلمامه بالقضية. المهانة التي تحملها مثل تلك التصريحات لا تقل إيلاماً عن تفاصيل الصفقة نفسها، أن تكون مصائر شعوب بأكملها ومظالمها التاريخية معاناتها المستمرة منذ عقود، وحقوقها ومستقبلها، كل هذا في يد مليونير أميركي مدلل، "لديه خلفية في العقارات" كما يقول عن نفسه، وكافة مؤهلاته الأخرى إنه صهر الرئيس الأميركي.

وهذا ليس جديداً تماماً في الحقيقة، فحدود أوطاننا العربية وغيرها من دول جنوب ما بعد الاستعمار رسمتها في معظم الأحيان خبطات عشوائية على الخرائط، والأمزجة السيئة أو الحسنة لمغامرين ودبلوماسيين غربيين صغار من خلفيات أرستقراطية أوروبية، وهواة جمع التحف والطيور المحنطة وانثروبولوجيين مزيفين أو متواضعي المعرفة ورحالة يجيدون التنكر وربات منازل بريطانيات قررن ملء أوقات فراغهن بالأركيولوجيا والسياسة الخارجية.

لكن المدقق في خطاب كوشنر عن "الفلسطينيين البؤساء" الذين فشلوا في أن يفعلوا شيئاً صحيحاً منذ العام 1948، يكتشف، بقليل من المشقة، أن منطقه ومبرراته قد تم تدوالها طويلاً في المنطقة. فمع الإعلان الأخير عن الصفقة الأميركية، عاد قطاع من المصريين إلى علكتهم الكلامية المفضلة، لوم الضحايا. ففي وسائل التواصل الإجتماعي، تردد التساؤل الضحل: ماذا لو استمع الفلسطينيون للرئيس السادات وتفاوضوا مع الإسرائيليين؟ عقدة مؤتمر "مينا هاوس"، التي تحولت، خلال بضعة عقود، من دعاية نظامية غير مستساغة، إلى حكمة عامة وبديهية. فنظام السادات، الذي وجد نفسه معزولاً في مفاوضات السلام مع الإسرائيليين، ومتهماً بالإنتهازية والتفريط، روّج خطاباً دفاعياً، وضع مسؤولية المأساة الفلسطينية على الضحايا أنفسهم. والانقلاب على التراث الناصري، للتحرر من ظلّه الطاغي، كان يعني أيضاً إنقلاباً على العروبة وفلسطين ومعاداة الإمبريالية والقطاع العام وأشياء أخرى كثيرة. هكذا، أضحى الفلسطينيون هم من باعوا أرضهم منذ البداية. وكذا هم من رفضوا حضور مؤتمر "ميناهاوس" الذي دعاهم إليه السادات من أجل التفاوض. التناقض مذهل ودال. يفعل الفلسطينيون الشيء وعكسه، يفرطون ويتشددون، والمهم أنهم، في الحالتين، على خطأ.

يمكننا أن نسمع صدى ماكينة البروباغندا الساداتية، في صوت كوشنار وممثلي الكثير من الأنظمة العربية، وفي عشرات الآلافف من الأصوات في الشبكات الإجتماعية التي تتأسى على ما جرى للقضية على أيدي أبنائها. لكن العودة إلى لوم الفلسطينيين بخصوص "مينا هاوس" ليس أمراً متعلقاً بالماضي، بل يحمل، ضمناً، حكماً جاهزاً بلوم الفلسطينيين على عدم القبول بصفقة القرن. فكل عرض، أياً كان، هو فرصة مهدورة، سيندمون عليها بالتأكيد، وحلقة جديدة في سلسلة من الاخفاقات تبدو قدَرية. أما لو قبلوا، فبالطبع سيتم اتهامهم بأنهم باعوا أرضهم، كالعادة أيضاً.

فالفلسطينيون أبناء زمنهم، وفي كل تحول للعالم من حولهم، هناك مبرر جاهز لوصمهم، طالما كان المبدأ هو لوم الضحايا. حملوا السلاح، حين كان الكفاح المسلح هو راية التحرر الوطني، ولجأوا لانتفاضة بعد أخرى حين أصبح النضال السلمي هو خطاب عصرهم، وجلسوا وتفاوضوا وقدموا التنازلات بعدما سلّم العالم بنهاية التاريخ وبأن كلمات مثل "الصراع" و"النضال" أصبحت متحفية. ارتكبت القيادات الفلسطينية وفصائلها أخطاء فادحة في حق شعبها وشعوب أخرى بالتأكيد، ويتحمل الفلسطينيون قدراً من المسؤولية تجاه ما وصلت إليه الأمور اليوم. لكن، من "مينا هاوس"، إلى كوشنر وصفقته، مروراً "بإيه اللي وداهم هناك"، في مصر وفي سوريا وفي كل مكان آخر في منطقتنا حيث سعى المقهورون للانتفاض على الظلم ، يبدو هناك مشترك وحيد، عبادة للقوة وانسحاق كامل أمامها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب