آخر تحديث:00:51(بيروت)
السبت 29/02/2020
share

البوعزيزي السوري

أحمد عمر | السبت 29/02/2020
شارك المقال :
البوعزيزي السوري
يقول علم الجريمة: إن المجرم يعود دوماً إلى مسرح الجريمة.

ربما يعود لشمِّ الأخبار، ربما للاطمئنان على خلو المسرح من آثار الجريمة، ربما يعود حتى ينظف بقايا الأثر، ربما يعود للتكفير والبكاء، ربما يعود لدفع الشبهة، ربما يعود لأن الدماء لها نداء، ربما خوفا من انبعاث الضحية حيّا.

من تجاربي، أني ارتكبت جريمة بالخطأ، جنحة بلغة القانون، كنت صبياً، وكنت أسعد بالدراجة، وصدمتْ طفلاً بدراجة مستأجرة وقديمة وفيها أعطال، وهربت، ثم عدتُ إلى مكان الجريمة ورأيت مشاهد إسعاف الطفل الذي كُسرت ساقه الطرية، بل إني قصدت والد الطفل وتحدثت معه من غير اعتراف، وشتمت الفاعل مواساة له، كان زمن الحادثة ليلاً. بعد ثلاثين سنة اعترفت لوالد الطفل بجريمتي.

هناك نظرية أنا صاحبها، وتحتاج إلى برهان، مثل نظريات الهندسة في المثلث القائم والمثلث المتساوي الساقين، والمثلث الأعرج مكسور الساق، والمثلث المربع الذي صار دائرة بالمطارق والبراميل.. إنَّ الضحية الناجية تعود أيضاً إلى مكان الجريمة، الجريمة هي بيتنا الأول.

الجريمة وطن أيضاً.

قرأت مرة لكاتب معروف قضى زمناً في تدمر، أنه حزين لتدمير سجن تدمر، لأنه كان يريد أن يزوره، فقد عاش فيه أكثر مما عاش في بيته الأول.

ربما عاد مازن الحمادة للقاتل ليقول له: أكمل واجبك المقدس، فقد قتلتني، وأنا لست سوى شبح الضحية.

 هذه كلمات كتبتها على صفحتي، وهي كلمات تمزج التحليل بالمجاز الأدبي، وواقعة مازن الحمادة ليست الأولى، لكنها الأشهر، وصعب فهمها إلا بالمجاز والتأويل الأدبي. بحثت عن واقعة تشبهها في التاريخ العربي، وهو مليء بقصص الفداء والتضحية والبطولة، أو في الأساطير، فلم أجد ضحية تعود إلى حتفها المنكر بقدميها، إذ لم يعرف التاريخ مثله، ويختلف حتف الأنف عن حتف النفس، وهو ليس مثل محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه، البوعزيزي لم يسمع صراخ الأطفال المعتقلين، ولم يرهم يُغتصبون، فألم الحرق بالنار، ساعة، أما ألم ضحية المعتقل السوري فأبد الدهر، لا يشفيها سوى مرهم واحد هو التراب.

 لم يكن مازن الحماده أول شخصية تعود إلى حضن الوطن، وقد قتل الكثيرون تحت التعذيب في بطن الوطن، ونعرف بعضهم. قال هارون الرشيد لابنه يحذِّره ويوصيه:

"يا بني المُلك عقيم، ولو نازعتني على الحكم لأخذت الذي فيه عيناك"، وهي مقولة فيها حكمة الخليفة وجمال العبارة، فهو يقر بأن الملك عقيم، لكنه سيأخذ رأس ابنه وفلذة كبده، الذي سيؤول إليه ملك أبيه، وذكر في العبارة العينين بدلاً من الرأس للتذكير بنعمة العينين. وهي من أقوال العرب المعروفة، فالعينان هما الحبيبتان، والملك عقيم، لكن مَلِك سوريا أراد جعل سوريا كلها عقيما.

 مازن الحمادة ليس ابن هارون الرشيد، وكان يسعى إلى محاكمة الرئيس، وصار شخصية عامة، وقطع شوطاً في اللعبة، وانفض السامر وتبيّن أنها لعبة، وكان يقوم ببثّ مباشر يومي يغلب عليه الحماس، يعرض الأحداث مثل معلق رياضي يعلق على مباراة، وأدرك أنَّ المعارضة فاسدة، وممنوع انتصار الثورة. وكنت أتعجب من أمر، وهو دموعه المدرارة، فهو يبكي، وارتبت في أنها دموع هندية، واستغرت لنفسي من سوء ظني، لم يكن يبكي من الألم كما أظن، كان يفتقد إلى حضن، فعاد إلى حضن الوطن، لكن لم يخطر لي قط أنه مخبر!

 أجمعنا على أنه انتحار، ربما كان يشبه انتحار الحيتان التي تنتحر من كثرة أطنان البلاستيك في المحيطات، واستشعرتْ خلو الهواء من الأكسجين، فقالت: طاب الموت يا حيتان، وألقت بنفسها على البرّ، يردها الناس إلى الماء فتعود إلى البر، ومثلها نوارسٌ انطرحت بالملايين في ظاهرة غير مفهومة، وأسماك الشفنين. حيوانات كثيرة تنتحر، وقد انتحر السوريون مرتين، مرة ببيع بيوتهم أو مدخراتهم، دفعوها للمهربين، ومرة بالعودة إلى المهلكة.

أظن أن الحماده شعر بالقنوط وهو قمة اليأس، أمسى السوري شرير الأرض الوحيد، الثورة السورية ليست وطنية ولا ثورة عربية ولا ثورة عالمية، إنها ثورة كونية، هذا يشبه قول الإعلام السوري إنَّ المؤامرة على الرئيس المفدى بشار الأسد كونية! دول كثيرة غيرت قوانينها من أجل سورية، سدت الأبواب في وجهه، حتى مُنع من بيت  الله الحرام، بذل السوري جهداً كبيراً في سبيل إقناع العالم بنفسه، قدم يساريين لقيادة الثورة مثل برهان غليون، بسمة قضماني، ورفع مسيحياً قائداً وطنيا مثل جورج صبرة، فعل ما يستطيع حتى صارت إسرائيل صفراً مشتهى.

 هل خدعنا مازن الحماده. هذا ما قاله بعض النشطاء الكرد، الكردي غاضب، يشتم الحمادة، لأنه وصف الأكراد وصفاً عنصرياً، لكن الأوضاع تغيرت كثيرا.

أمريكا وروسيا جاءتا من أقصى الأرض إلى المياه الدافئة للاستحمام بدم السوري المبارك، وهما تعرفان السوري، وتشمان مثل الضباع رائحة الدماء من بُعد آلاف الفراسخ، ونعرف لمَ يناصبان الثورة العداء. وقد تابعنا اعترافات الحماده وذكرياته في المعتقل، وهي مرعبة، وكان يرد على جميع المتعاطفين معه على وسائل التواصل الاجتماعي. السوري الخارج من الموت يريد عطفاً، لكن العطف عبر وسائل التواصل مثل قبلة من وراء الزجاج، وهو متهم الآن بأنه مخبر مدسوس على المعارضة، التهمة توحي بأنّ النظام شرير، وهذا أمر حسن. هناك أراء تشكك بالأمر كله، وتتهمه بالسعي نحو الأضواء، والأضواء قد تكون نيرانا مهلكة، وقد خمدت.

ذكّرنا الحماده، برسالة صوتية أرسلها لأصحابه، ببيت شعر قاله أبو فراس الحمداني وهو في الأسر:

 بلادي وإن جارت عليّ عزيـزة / وأهلي وإن ضنّـوا عليّ كرام.

 وكان كمن يصيح في المقابر حتى يهدهد خوفه، وقد يظهر مرة أو مرتين على التلفزيون، أن صح الخبر، ويشتم أوروبا، والثورة، ويمدح الرئيس، وأن لم يصح، فقد عاد من عاد لينبش قبراً، هو قبره هذه المرة، وإن حصل على قبر تحت التراب من غير نبش سيكون من المحظوظين.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب