آخر تحديث:16:16(بيروت)
الجمعة 21/02/2020
share

العَونية: ريفية بسيطة.. حمولة برجوازية صغيرة

يوسف حداد | الجمعة 21/02/2020
شارك المقال :
العَونية: ريفية بسيطة.. حمولة برجوازية صغيرة من أهم إنجازات عون، مساهمته في تدمير بيروت إقتصادياً، وإعادة خلق إقتصادات مناطقية (غيتي)
تشكل المسيحية العونية إستمرارية للسردية التقليدية عن التمايز المسيحي عن محيطه العربي والإسلامي، والتي قام عليها لبنان، وتبناها الإنتداب الفرنسي وروّج لها مستشرقون ومفكرون لبنانيون. 

فالتمايز الذي تغنى به ميشال شيحا وشارل مالك وآخرون، لم يكن غيرياً فحسب، بل متجذراً في سردية أفضلية المسيحيين، مسيحيي جبل لبنان، لدورهم في تأسيس الدولة. هذه السردية أسست لممارسات خطابية دعمها الإنتداب الفرنسي، وأعطت المسيحيين إمتيازات إقتصادية وإجتماعية، وبالتالي ولّفت منظومة معرفية وعلاقات قوة بُني عليها لبنان الإستقلال. فخلال العقود التي تلت الاستقلال، كانت البرجوازية المسيحية، المتفرعة من العائلات العريقة، كعائلات سرسق وفرعون والخوري، تسيطر على مرافق الدولة وعلى معظم وسائل الإنتاج المتمركزة في بيروت، فيما كانت النخبة السنية تشاركها في بعض القطاعات. أما المناطق ذات الغالبية المسيحية خارج بيروت، أي الممتدة من المتن وصولاً إلى الشمال، فقد كانت ريفية بإمتياز تعتمد على قطاع الزراعة إلى حد كبير. وكانت العائلات الإقطاعية المارونية التقليدية، كآل الخازن في كسروان، تحافظ على الروابط الاجتماعية الطائفية فيها، ليس فقط من خلال توفير الخدمات لسكانها، بل أيضاً من خلال تزاوجها مع الكنيسة المارونية. إذاً، فإن رأسمال النخبة البرجوازية المسيحية، ما قبل الحرب الأهلية، تمركز في بيروت، فيما لم يتمتع الريف المسيحي بأي حظوة إقتصادية.

الكانتون المسيحي
غير أن المناطق الريفية المسيحية، تلك التي سميت لاحقاً بالكانتون المسيحي، شهدت طفرة إقتصادية هائلة خلال الفترة الممتدة من مطلع الثمانينات إلى بداية ما سمي بحرب الإلغاء أوائل التسعينات من القرن العشرين. هذه المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة المليشيات المسيحية وتتمتع بحكم ذاتي، وإستفادت من إنتقال رأس المال المسيحي من بيروت إليها، فشهدت عمراناً سريعاً أعطاها طابعاً مدينياً. تلك الوفرة الإقتصادية أنجبت أيضاً برجوازية صغيرة مستجدة إزدهرت في قطاعات الخدمات والتجارة وإلى حد أقل الصناعة، وعملت ضمن الكانتون المسيحي حصراً. ولقد غذت المليشيات المسيحية، وعلى رأسها "القوات اللبنانية"، هذه الطبقة، من خلال تبييض الأموال عبر شركاتها، واستثمار المسؤولين المليشياوين فيها، ودفع المرتبات الشهرية العالية لسكان الكانتون العاملين لديها مما زاد حجم الاستهلاك. كذلك أرست المليشيات حداً أدنى من القوانين التي حمت عمل الشركات وسهلت الإستثمار فيها مقابل دفع الضرائب، أي الخوات، الأمر الذي ساهم في تنظيم الإجتماع المسيحي.

في المقابل، لم يرافق التطور الإقتصادي هذا، تطوراً ثقافياً في الخطاب المسيحي الكانتوني، وبقي على ريفيته، تتقاطع فيه الأهلانية الدينية والمناطقية مع مصالح البرجوازية الصغيرة المستجدة الضيقة. فسردية التميّز المسيحي، تبنت خطاب الثنائي إميل إده وشارل قرم المسيحي الراديكالي، والذي كان رائجاً إبان الإستقلال، والذي يجعل المسيحيين أكثر لبنانية وعِلماً وتقدماً وانفتاحاً على الغرب من اللبنانيين الآخرين، أي العرب المسلمين. هذا الخطاب استخدم أيضاً كمبرر للتقسيم، وأنتج منظومة معرفية كرستها وأعادت إنتاجها المؤسسات التي مولتها المليشيات، لا سيما المؤسسات الإعلامية كتلفزيون "أل بي سي" ومجلة "المسيرة" وإذاعة "لبنان الحر". كذلك غلبت هذه المنظومة المعرفية على قطاع التعليم، حيث تبنت المدارس المناهج الفرنسية أو الإنكليزية مثلاً، وحتى في الفن من خلال تسويق مكثف للمنتاجات الفنية الأجنبية وتظهيرها على أنها فن النخبة.

غير أن لبنان ما بعد الحرب الأهلية، أطاح سردية التميّز المسيحي من جهة، وضرب مصالح البرجوازية الصغيرة المسيحية الكانتونية التي تمثل اليوم شريحة كبيرة من القاعدة العونية من جهة ثانية. فبعد إتفاق الطائف ووصول رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري إلى الحكم، بدأت بيروت تستعيد موقعها كمركز لبنان الاقتصادي وعادت الاستثمارات الخارجية إليها، وكذلك استثمارات الطبقة الرأسمالية المسيحية. فالعلاقات الاقتصادية التي قامت ما بعد الحرب الأهلية لم تستثن الرأسماليين المسيحيين، رغم أنهم كانوا صُورياً خارج السلطة، بل بالعكس، كانوا من أكثر المستفيدين منها، لا سيما بسبب توجيه الإقتصاد نحو القطاعين المصرفي والسياحي حيث يغلب رأس المال المسيحي. فالطبقة الرأسمالية، من أي طائفة، كانت لا حرج لديها في التحالف مع السلطة السياسية أكانت النيوليبرالية الحريرية، أو المناطقية الطائفية، أو حتى في أن تتسلّم السلطة مباشرة. أما البرجوازية الصغيرة المسيحية الكانتونية، تلك التي كانت مزدهرة في عهد المنظومة الاقتصادية المناطقية، فقد تضررت بشكل كبير نظراً لعجزها عن توسيع أسواقها والمنافسة في السوق الأكبر بيروت.

في ظل هذا التحوّل، جاء خطاب عون السياسي ليعيد إحياء المنظومة المعرفية المسيحية التقليدية من جهة، ولإطلاق ثورة البرجوازية الصغيرة الكانتونية وخطابها الريفي على النظام الاقتصادي المديني الحريري. فمن غير المفاجىء أن يرتكز خطاب عون الشعبوي على مهاجمة الحريرية السياسية المسؤولة عن إعادة تمركز رأس المال في بيروت.

هذا الخطاب لاقى صداه عند البرجوازية الصغيرة المسيحية الكانتونية المعزولة التي أضحت وقود حركة عون الشعبوية، وجذبت معها أيضاً قطاعاً كبيراً من الطبقة العاملة المسيحية التي أنهكتها النيوليبرالية الحريرية وعانت إغتراباً إجتماعياً وإقتصادياً، شأنها شأن الطبقة العاملة من الطوائف الأخرى. فالخطاب العوني نجح في ترجمة التحوّل الإقتصادي والإجتماعي بعد الطائف، إلى هوس بتراجع المجتمع المسيحي ككل، والخطر السني المحدق به، خطاب ذوّب الفرد المسيحي في مجتمع متجانس يؤمن بتفوقه الأخلاقي، مجتمع تختزله صورة الزعيم الطهراني المخلص. ولقد بات عون أشبه بالطوطم حامي الإجتماع المسيحي. فرغم المأساة الإقتصادية اليوم، ما زال العونيون مقتنعين بأن رئاسته هي "العهد القوي"، عهد رئاسة جنرال يرتدي بذلة عسكرية وصاحب نهج طوباوي يكافح فساد الآخر، أي رأس المال المديني. لذا، ونظراً لطهرانية الفكر الشعبوي المبني على اعتقاد بفوقية أخلاقية للجماعة وبالتالي لأفرادها، يعيش العونيون اليوم حالة نكران إزاء فساد ممثليهم السياسيين. فالجماعة الطاهرة لا يمكن أن تنجب فاسدين.

رفض ثورة 17 تشرين
من هذا المنطلق يمكننا تفسير جانب من جوانب رفض المسيحية العونية المشاركة في ثورة 17 تشرين الأول. ذلك لأنها تراها تهديداً لطوطمها ميشال عون، المُطالَب بالاستقالة، وبالتالي تهديداً للجماعة العونية. كذلك، تهدد الثورة بتهميش البرجوازية الصغيرة الكانتونية مجدداً، بعدما بدأت تستعيد مكانتها منذ إغتيال الحريري. فمن أهم إنجازات عون، مساهمته في تدمير بيروت إقتصادياً ونجاحه في إعادة خلق إقتصادات مناطقية، ومنها إقتصاد الكانتون المسيحي، وإعادة ترسيخ الغيرية جغرافياً في الذهنية العونية. فبالنسبة للعونيين لا يعقل أن يشتري سني بيروتي عقاراً في المتن، أو أن يتظاهر طرابلسي في بيروت.

إلى جانب ذلك، نجد أيضاً أن الخطاب العوني الشعبوي يزاوج ما بين نرجسية البرجوازية الصغيرة، وبساطة فكرية ريفية إجتماعية تاريخية، غير قادر على تحليل ما يحصل في العالم، كما في سوريا وفلسطين، سوى من خلال فوبيا تحطيم طوطم المسيحية العونية، الجنرال. فعلى سبيل المثال، ينمّط الخطاب العوني، الفلسطينيين، وفقاً للسردية المسيحية القائلة بسعيهم لإحتلال لبنان وترحيل المسيحيين، وبالتالي يدعو للتضييق عليهم في المخيمات وحرمانهم من أبسط حقوقهم. لكن، في الوقت عينه، نرى العونيين يدعمون القضية الفلسطينية، لكن كقضية مجردة من تاريخيتها وثقافتها وأثرها في الوعي العربي، حتى مجردة من الفلسطينيين أنفسهم. إن التناقض هذا في الخطاب، دليل آخر على الفوبيا العونية من مؤامرة كونية تستهدف المجتمع المسيحي، وبالتالي يعتبر العونيون أن حماية مجتمعهم تقتضي دعم قضية فلسطينية يجهلونها لأنها تواجه ما يعتبرونه إستهدافاً سنياً - أميركياً – إسرائيلياً لمجتمعهم، وليس لأنها قضية عادلة. إن إتهام العونيين بالخبث السياسي أو بالفاشية في غير محله، فغياب التماسك في الخطاب العوني ليس فيه أي شيء من الدهاء البراغماتي، بل هو يعود إلى سطحيته وبساطته الريفية، ولأنه قائم على رهاب جماعي لاعقلاني.

هذا الواقع يُمكّننا أيضاً من فهم خيارات التيار العوني السياسية. فتحالفه مع "حزب الله" ليس تحالفاً سياسياً بحتاً مسلوخاً عن الواقع الإجتماعي، بل هو أولاً تحالف طرفين كانتونيين هامشيين يعيشان أزمة حقيقية مع بيروت المركز. ثانياً، لأن علاقة المجتمعين الاقتصادية ببيروت غير عضوية، بمعنى أن الطبقة الرأسمالية العونية، وتلك التابعة لحزب الله، هي التي تشكل الجسر الإقتصادي بين المجتمعين وبيروت، وبالتالي فإن سكان كانتونات الهامش، البرجوازيين والعمال على حد سواء، يرون أنفسهم جزءاً من إقتصاد مُكتَفٍ ذاتياً لا يعتمد على المركز. ثالثاً، إن سردية "حزب الله" عن المحرومية الشيعية تكرس وهم التميّز المسيحي، إذ أن السرديتين تشكلان وجهين لسردية واحدة تعيد إنتاج المنظومة المعرفية التي سادت قبل إنتهاء الحرب الأهلية.

ختاماً، الزعماء الشعبويون، مثل ميشال عون، لا ينتجون معرفة، بل هم نتاج منظومة معرفية وممارسات خطابية ثقافية وإجتماعية واقتصادية يخضع لها مجتمعهم. فعَون لم يخلق الحالة المسيحية العونية، بقدر ما هو نتاجها، نتاج تزاوج ما بين بساطة العقل الريفي، والمصالح البرجوازية الصغيرة الكانتونية، وعلاقة مأزومة بين الهامش والمركز، وسردية تحاكي أساطير وخرافات عن لبنان لا يتميّز إلا بتميّز مسيحييه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

يوسف حداد

يوسف حداد

باحث في الدراسات العربية والإسلامية - جامعة جورجتاون - واشنطن

مقالات أخرى للكاتب