آخر تحديث:07:06(بيروت)
الثلاثاء 11/02/2020
share

مصر بقعة أكاديمية مظلمة

شادي لويس | الثلاثاء 11/02/2020
شارك المقال :
مصر بقعة أكاديمية مظلمة الباحث المعتقل باتريك جورج

كان ذلك بعد شهور من تنحي مبارك، وقبل منتصف الليل بقليل. وصلتني رسالة نصية من المشرفة على رسالتي للمجاستير. موافقة اللجنة الأخلاقية على بحثي، تم تعليقها لسببب لم توضحه الرسالة، وكان عليّ تحديد موعد مع المُشرفة بشكل عاجل. يقضي طلاب أقسام علم النفس في الجامعات الغربية، نصف وقتهم وربما أكثر، في دراسة علم الأحصاء والأخلاقيات البحثية والمهنية. الهوس الإحصائي مصدره رغبة في إثبات أحقية علم النفس كمبحث أمبريقي حقيقي وصلب يضاهي العلوم الطبيعية، أما الإغراق في مسألة الأخلاق فمصدره تاريخ مشين للممارسات البحثية في المجال وتطبيقاتها. ظننت الأمر مجرد خطأ إجرائي في طلب الموافقة الأخلاقية الطويل الذي كان قد تم قبوله بالفعل قبل ذلك بأسابيع، إذ لا يخلو أمر الأخلاق المهنية من الروتين، أو هي بالأحرى عملية روتينية بالأساس. كانت تلك قناعتي حينها.

في اليوم التالي، كنت في مكتب المشرفة الضيق، في مقر الجامعة الصغيرة ومتواضعة الإمكانات في شرق لندن، وأخبرتني حينها، السبب. كان عميد القسم يتناول عشاءه في البيت، حين رأى دبابات تدهس متظاهرين على الشاشة، وعندما دقق في شريط الأخبار فهم إن تلك المشاهد من مصر، كانت تلك مذبحة ماسبيرو. وفي الحال، قام العميد الذي أصابته المشاهد بالإضطراب، بمهاتفة المشرفة ليخبرها بتعليق الموافقة الأخلاقية على بحثي، فإجراء عمل ميداني في القاهرة بخصوص دينامكية الحشود في الثورة المصرية لم يعد يبدو آمناً.

أصابت حالة من الهلع قسمنا الصغير، غير المعتاد على إجراء بحوث خارج حدود لندن أو جنوب شرقي إنجلترا، وكانت معرفة مشرفتي بمنطقة الشرق الأوسط متواضعة تماماً، فهي كانت متخصصة في التحليل الخطابي للخدمات الصحية للنساء في بريطانيا، وكان هذا التخصص لموضوع بحثي. أما عميد القسم فهو أيضاً لم يكن يعرف عن مصر الكثير، ولا أي شيء عن البحث، سوى أنه سمع من مشرفتي بشكل عابر أن لديها طالباً سيجري دراسة عن "التحرير"، وكانت "التحرير" كلمة مثيرة جداً ساعتها، ومن الصعب نسيانها حين تُذكر.

بدأت الأمور تتدهور في مصر يوماً بعد يوم، وتتابعت الرسائل النصية الليلية والاجتماعات الطارئة بالمشرفة، وتحول تعليق الموافقة الأخلاقية إلى إلغاء، وقوبل طلبان لاحقان بالرفض. حفظ سلامة الباحث وسلامة موضوعات البحث وسمعة الجامعة، الاشتراطات الثلاثة جميعها، لم تجدها لجنة الأخلاق متحققة. كان زملاء وأصدقاء آخرون يجرون بحوثهم على موضوعات مشابهة في القاهرة من دون مشاكل تذكر. الأرجح أن لدى أقسام السياسة والعلوم الإجتماعية الأخرى دراية أكبر بالمنطقة، تسمح لهم باتخاذ بعض المخاطرات الصغيرة والمحسوبة. أما قسمنا الصغير، فقد طلب مني، قبل زيارة للقاهرة ، توقيع إقرار بأن زيارتي هي بغرض الإجازة، ولا تتعلق بأي نشاط بحثي، وطلبت المشرفة مني بشكل شخصي أن أهاتفها مرتين أسبوعياً للتأكد من سلامتي إثناء إجازتي. ووافقتها، وإن كنت أضحك منها في سرّي.

وقتها، وجدت ذلك كله مثيراً للأعصاب، ومخجلاً، مبالغة ساذجة، أو في افضل الأحوال مجرد تبلد روتيني من الجامعة.. إلى أن اختفى الباحث الإيطالي ريجيني في القاهرة بعدها بسنوات. وفي مساء اليوم الذي ظهرت فيه جثته نصف عارية وفيها آثار التعذيب، تلقيت رسالة حزينة من مشرفتي السابقة، كانت قد قرأت الأخبار وتذكرتني، وظنت أن الطريقة التي تعامل بها القسم مع بحثي كانت صحيحة تماماً.

ومع مداومة السلطات المصرية على التحرش بالباحثين والأكاديميين، وبالأخص المرتبطين بمؤسسات بحثية غربية، بدأ الكثير من الجامعات تشديد الاشتراطات لإجراء بحوث ميدانية في مصر أو عنها، وتحول الكثير من الباحثين، سواء من المصريين أو الأجانب، عن موضوعات بحوثهم أو طرق إجرائها لتفادي التعرض لخطر التوقيف.

ويأتي اختفاء باتريك جورج، طالب الماجستير في جامعة بولونيا الإيطالية، لدى وصوله إلى مطار القاهرة في إجازة، قبل أيام، ثم ظهوره لاحقاً في نيابة المنصورة بعد تعرضه للتعذيب والصعق بالكهرباء، كحلقة أخيرة من سلسلة ترويع الأكاديميين وطلاب الدراسات العليا. قررت النيابة، حبس جورج، المتخصص في بحوث النوع الاجتماعي، على ذمة التحقيق، بتُهم مضحكة، لكنها كافية لإبقائه خلف القضبان لسنوات، في حال تمت إدانته، وكذا ترويع كافة المؤسسات البحثية والجامعات وطلابها والمشرفين عليهم.

بشكل يبدو مدروساً ودؤوباً، يحوّل النظام، مصر، إلى بقعة أكاديمية مظلمة، حقل بحثي خطر سيتفادي الجميع الاقتراب منه قدر الإمكان، أو سينتهى الأمر بهم لفحصها من بعد أو فقط بموافقة السلطات والتعاون معها. هكذا، ما بدا مبالغاً فيه قبل سنوات، وسخيفاً، في جامعتي الصغيرة، أضحى اليوم واقعاً. فمجرد أجازة قصيرة من الدراسة، ربما تنتهي بشكل مأسوي جداً، إن كانت وجهتها القاهرة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب