آخر تحديث:06:35(بيروت)
السبت 01/02/2020
share

"فيروز" الصين العظيم

أحمد عمر | السبت 01/02/2020
شارك المقال :
"فيروز" الصين العظيم
اطلبْ النزوح ولو في الصين..

 ما هذا النحس؟ هربنا من الحواجز السورية، فبرزت لنا حواجز الصين، ولم تعن الوجوه للحي القيوم بعد، لكن ثمة فرقاً بينهما أيها السادة، شعب الصين شعب لطيف ودود، وكريم، يهشُّ للضيوف، ولا يفرّق مثل العرب، بين شقران الفرنجة وبين غيرهم من سمران الوافدين والسائحين، ساء ما يفعلون.

  الحق يقال إنه عندما رأوا أخاً من السودان قبل عشرين سنة في بلدة "اييو" التي أزورها، استغربوا، وظنوا أنه سيؤدي فقرة مسرحية من عطيل لشكسبير، وهم لا يعرفون عطيلاً، ولا يعرفون عنترة، ولا أبا زيد الهلالي، وكدت أقول أبا زيت الهلالي، فرائحة زيت الصويا المحروق تفوح من كل مكان. عندما اندلع بركان الثورة في سورية، واستحرَّ القتل، باع والدي عقاراً وقال: اهرب يا بني إلى أبعد بقعة على الأرض عن القرداحة، قلت: تركيا؟ قال: أبعد، قلت ألمانيا؟ قال: أبعد، قلت: أيسلندا؟ قال: أبعد، ظننت أنه سيقول: اقصد المريخ، فهربت إلى شنغهاي في الصين، وقلت أضيع فيها، أمس أوقفني الحاجز الصيني، وقاس حرارتي من على بعد، بمسدسات ذكية حساسة، أذكى من قرني الثعبان، لا تلمس الجبين، تشمُّ الحرارة شمَّاً، قرّب الثعبان من جبيني، واستشعر ارتفاعاً في الحرارة بنصف درجة، ثم لسعني، وفحّ الحاجز آمراً: خذوه.. وكادوا أن يحجروا عليّ حجراً صحياً، جادلتهم، واستطعت إقناع عناصر الحاجز بأنَّ حرارتي مرتفعة بسبب حرارة مكيف السيارة، والسبب الحقيقي في ارتفاع حرارتي هو حسناء صينية مرت بجانبي والحسناوات الصينيات قلة، فأمهلوني، فبسطت جسدي على الهواء العليل وأطلقت صدري للبرد، وأذللت دمعا من خلائقه الكبر، حتى بردت حرارتي، وهدأت غلتي، كانت حرارتي مرتفعة من أخبار إدلب، وأيغور إدلب حالهم أسوأ من أيغور الصين، أطلقوا سراحي بعد أن يئس ثعبان الحرارة مني. في الحواجز السورية أيضاً يقيسون الحرارة بطرق مختلفة، والحواجز متفاوتة الحقد والذكاء والأداء، وليست مثل حواجز الصين راسخة الأداء والعمل والمناسك. الصينيون تتشابه فيهم الوجوه وتختلف فيهم عادات الطعام، وهم يكرهون بعضهم البعض، الشمالي يكره الجنوبي، والسني يكره العلوي، لكن من النادر أن يشذّ صيني عن أوامر الدولة، ويتحدون في الملمات، ومن المستحيل أن يقول صيني لصيني: قل لا إله إلا بشار الأسد حتى لو كان الصيني المحرور من الايغور.

إحدى طرق قياس الحرارة لفحص الكورونا في سورية، هي تمزيق المصحف أمام ركاب السيارة العابرة، فإن سكت الركاب وصبروا، نجوا. لم يتحمل كهل في السيارة آلام تمزيق المصحف، فأنَّ وتأوه وحوقل، وهو يرى عنصر الحاجز يمزق المصحف ويدوس عليه، فكانت نهايته، كان مصاباً بالكورونا السورية، فأنزل من السيارة، ورُكل حتى الموت، وكانت زوجته محظوظة لأنهم تركوا لها جثة زوجها، فحملناها في السيارة من غير كمامات، ونحن نتبرك به ونرثيه ونواسي زوجته. هناك طرق أخرى لفحص الكورونا السورية، مثل الشتائم، وفحص الهوية، واسم مكان الولادة، أي شيء يدل على الكرامة هي حرارة مرتفعة وكورونا.

 سرّحني الحاجز الصيني وأخلى سبيلي بعد أن انخفضت حرارتي، مع أني حوقلت، واتخذت سيارتي في البر عجبا. والصينيون يكثرون من الجسور في السنوات الأخيرة، فهم لا يحبون إشارات المرور حرصاً على الوقت، ويطمحون إلى طرقات خالية من عيون الإشارات الحمراء والبرتقالية والخضراء. 

  قلت إنهم يهشّون للضيف ويبشّون، وعادة ما يضيّف الرجلُ الرجلَ سيجار على سبيل التحية، وأنا لا أدخن، فأعتذر، فيستغربون، فالتدخين من علامات الرجولة الصينية، رمز الصين هو التنين، والتنين يدخن من غير فلتر، ومن غير سيكارة. من النادر أن تجد امرأة صينية تدخن، لكنهن شديدات وصاحبات سلطان، وسنروي بعضاً من أسباب قوتهن لاحقاً، نساء الأتراك والألمان يدخّنّ بكثرة ونهم، وكأنهن نساء يعملن على الفحم، ويندر أن تجد صينياً يقبّل صينية في الشارع إلا في المدن الكبيرة المعولمة، وقد حظر الكورونا القبلات حظرا تاما. ما تزال الصين إمبراطورية فلاحين، والفلاحون قوم فيهم حياءُ زهرة المستحية، رائحة طعامهم لا تطاق، ورائحتهم هي رائحة طعامهم وقد ذابت في عَرَقهم المنبجس من مسامهم، وهم هنا في مدينة "اييو" حيث حوصرت وحجزت، يستنكرون رائحة العطر التي أضعها كل صباح، ويشمونها  لأنهم قوم لا يتعطرون، ويشمئزون منها، ونساؤهم لا تعرف أصبغة الحُسن النسائية، ومراهم التجميل الشائعة عند نسائنا، وقد حُبّبَ لي من هذه الدنيا النساء والطيب، (لاحظ الترتيب وهو عكس الترتيب في الحديث النبوي الشهير)، ويقول صديقي ومضيفي عبد الكريم: حبب إليَّ من هذه الدنيا النساء والنساء، وقد سبقني، لله درّه.

 و"اييو" يمكن لفظها مثل لفظ سهير البابلي وشادية لها في مسرحية ريّا وسكينة على الطريقة الإسكندرانية.  زيارة بعض أسواق الخضار واللحم اليومية في القرى والأرياف غير محمودة وتشبه أفلام الرعب، فهي شديد القذارة، فيها كل أنواع الحيوانات؛ كلاب مذبوحة، كلاب معدّة للذبح، تبكي وتنتظر ذبحها، وبجانبها خارج الأقفاص كلاب حرة سعيدة تعرف ما يجري لأخوتها من الكلاب المقفّصة، وساكتة، وكأنها من الملوك العرب، سترى حيوانات عجيبة مسلوخة؛ وأخرى ما تزال في إهابها وجلودها؛ قردة، خنازير، خفافيش الظلام، عظاءات، دماء في كل ماء، وسلح للبشر وسلح للكلاب في الطرقات. الأسواق بقردتها وثعابينها مرتبة في المدن الكبيرة، وحسنة التغليف، ونظيفة. النظافة عند المسلم أمر مختلف، فهي ليست في الماء الذي يعيش المسلم فيه كأنه كائن برمائي، وإنما في نوع الطعام وطريقة الذبح، فالمسلم لا يأكل الحيوانات المكلّبة والجوارح، ولا يأكل الدم.  أختي مثلا رحمها الله، في الوطن، عندما كانت تعد أكلة النقانق، ونسميها بالكردية بعد ترجمتها اللفظية إلى العربية؛ "الثعالب"، وهي أمعاء الخروف المحشي بالرز، كانت رحمها الله تضع خرطوم الماء في خرطوم المعي حتى تسببت بعد سنوات في أزمة ماء وجفاف نهر الخابور وجغجغ وتجفيف ضروع الأرض. الأسد والثعلب دمرا ثورة سوريا المائية والبشرية.

 الصينيون يتبولون في كل مكان في بلدة أييو الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها عشرة ملايين، وأطفالهم يسلحون بجانب صناديق الخضار المعدّة للبيع، فيتركها أهلهم ويتابعون عملهم، الصينيون يعملون حتى الإعياء. ويستغربون إن رأوا عربياً يشبك عربياً من ذراعه، أو يعانقه، العناق بين الذكور منكر، والمصافحة نادرة بينهم، فهم قوم لا يصافحون، ولا ينحنون لبعضهم بعضاً مثل اليابانيين.

 كيف يمكن تفسير كل هذا التطور والآلات والأبراج العالية، وأن اقتصاد الصين هو الثاني في العالم؟ تفسير ذلك هو أن حكومة الصين تسبق شعبها، وهي تعمل بجد وكدّ ونشاط، فنراهم يقيمون في شهر عمارةً، نقيمها نحن في ربع قرن ونحتفل بولادتها ويوبيلها الفضي معاً وننسب فضلها إلى السيد الرئيس. إذا قررت الحكومة الصينية أن تقوم بعمل، فإنها تفعله على أكمل وجه، فهي تنظف الشوارع في غمضة عين. والبلاد هنا جميلة، الخضرة في كل مكان، يشعر الزائر كأنه يعيش في لوحة مائية مرسومة بيد فنان.

الصينيون قوم يحبون الكلاب، الكلب معبود في الصين واليابان وأوربا، وهو يعيش مع الصينين في شققهم الصغيرة، ويسلحُ في كل مكان من غير غرامة كما في أوربا، حتى على أدراج العمارات وناطحات السحاب، وقلَّ من ينظف سلحها.  وهذا لا يتناسب مع قولنا إنهم يأكلون الكلاب، لكنهم هكذا، يحبون الكلاب ويأكلونها، ولكل مدينة واقليم عادة في الطعام، و"المينو"، لائحة طعام المطعم الصيني أسمك من قاموس أكسفورد، أو شرح المعلقات للزوزني، وهم قوم لا يهدرون شيئاً، كل ما هو ألين من الحجر يؤكل، حتى زعم بعضهم أن بعض الصينيين يأكل الجنين الذي يسقط في عيادات الإجهاض. الصين لم تكن تبيح للعائلة إلا إنجاب ولد واحد حتى سنة 2012، ثم أباحته، وجعلت غرامات للولد الثاني، ويحق للأب الوحيد الذي لا أخ له إنجاب ولدين، ويحق للأب الصيني الذي لديه ابنة أن يجتهد، ويسهر الليالي مذاكراً في الفراش سعياً لإنجاب ذكر، أما الأغنياء فيستطيعون إنجاب ما يشاؤون، طالما هم يدفعون الضرائب، والإجهاض يقع على الإناث، وهم سوى ذلك قوم أمناء، لا يغدرون ولا يغشّون إلا في حظ الذكر والأنثى من الحياة. إنهم يئدون الإناث، وتلك قسمة ضيزى.

 والدفع المالي غالبا عن طريق الهاتف النقال و"برنامج كيو أر" Quick Response code شائع بينهم في المعاملات المالية، والجيل القديم ما يزال أكثره أمياًّ، لذلك تجد المسلسلات والأفلام الصينية مرفقة بكتابة صينية للصينيين لتعليم الجيل القديم الكتابة والقراءة، كما في البرامج الساخرة العربية. البرامج الكوميدية العربية صناعة صينية الأصل. الحياة هنا سهلة، الغاز والكهرباء والماء في كل بيت، مــــع زهرِ لحظِ المٌقَل، وأنت حقا سيدي ... وسؤددي وموللي، لها عدادات، ولا توجد في الشوارع صور لبشار الأسد، وليس عندهم بثينة شعبان، ولا أحمد حسون. 

وهم قوم يحبون النكتة، لكن نكاتهم لا تضحكنا، لم أضحك قط على نكتة صينية سوى مرة واحدة، وذلك أنه ذات مرة قدِمَ إلى متسول صيني يقول عبد الكريم صديقي، وطلب شيئاً "لله يا محسنين"، فاعتذر عبد الكريم، لعدم حمله عملة عينية، كاش يعني، وقد ساء حال المتسولين بعد تطبيق كيو أر اللعين، فأخرج المتسول هاتفه، وأظهر تطبيق "كيو أر "وعمل "سكانينغ" لهاتف عبد الكريم صديقي، الذي تصدق عليه بخمسة رينمبيني. يقول المثل الصيني: رينمبيني ولا تعشيني.

كان صديقي عبد الكريم يفكر في طريقة لحلِّ مشكلة الليرة السورية، وهي إلغاء الليرة واستبدالها بكود على الهاتف، يكون اسمه "بشار أر" مثلاً، تشتري به رغيف خبز إن توفر، كما تشتري به سيارة اللكزسيس التي تشتهر بصناعتها القرداحة للحديد والصلب والشنكليش، وكنت أفكر في أني علقت في حصار الصين بين مليار صيني، وأمسى جواز سفري ملوثاً بفيروسين؛ فيروز الإرهاب، وهو خطيئة أصلية ملصقة بالعرب، وفيروز كورونا المكتسب. 

 لقد أحكم عليّ الحصار.

 سأروي بإذن الله إن نجونا لم أطلقت على وحش الكورونا اسم فيروز وليس عجرم مع إنه أولى؟ وإنه حتى الآن لم أسمع أحدا في الصين قال: إن الكورونا التي تضرب كوكب الأرض مؤامرة كونية!

يتبع..


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها