آخر تحديث:22:39(بيروت)
السبت 19/12/2020
share

خامنئي والتفاوض مع واشنطن: الأمر لي

حسن فحص | السبت 19/12/2020
شارك المقال :

لا شك ان الرئيس الامريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب سيغادر البيت الأبيض في قلبه حسرة كبيرة، فالاوقات التي أمضاها إلى جانب هاتفه في المكتب البيضاوي بانتظار رنينه وسماع الطرف الآخر يتحدث باللغة الفارسية او بالانكليزية بلكنة فارسية لم تتحقق. وستزداد حسرته أكثر عند استماعه لتصريحات الرئيس الجديد جو بايدن وأعضاء فريقه ومنهم وزير الخارجية المقترح جيك سوليفان يكررون على مسامع العالم عن نية واشنطن العودة الى الاتفاق النووي الذي انسحب منه ترامب، وكل العقوبات والحصار الاقتصادي الذي فرضه على النظام الإيراني وكل الاستهدافات التي قام بها مباشرة لرأس مشروعها الاقليمي او تلك التي لم يعترض عليها باستهداف رأس مشروعها النووي باتت في مهب رياح قرار العودة لبايدن. 

يمكن القول ان الرئيس الاسبق باراك اوباما، بجهد ذاتي او بفعل فريق من المستشارين يعرفون كنه التركيبة الايرانية ونظامها، كان الرئيس الأمريكي الأقدر على فهم الحساسيات الايرانية. بالتزامن مع دخوله الى البيت الابيض 2008 وضع النظام الإيراني أمام واحد من خيارين، إما التفاوض وأما العقوبات، ولتأكيد جديته في هذين المسارين، عمد إلى إلغاء كل الشروط المسبقة التي سبق ان وضعها سلفه جورج دبليو بوش امام الايراني، وبالتالي استطاع إسقاط الذرائع المحورية التي بني عليها الموقف الايراني المتشدد والمتصلب من التفاوض مع واشنطن. 

ولعل الخطوة الرئيسة التي قام بها اوباما وشكلت الضمانة الحقيقية لنجاح مشروعه في جر ايران لطاولة التفاوض، كانت الرسائل التي وجهها بشكل غير معلن واكثرها عبر الوسيط العماني الى القيادة الايرانية وشخص المرشد الاعلى بالذات، واضعاً رهانه على انجاح المسار التفاوضي بقدرته على اقناع المرشد الاعلى الذي يمتلك القدرة على تمرير وتسويغ هذا القرار الاستراتيجية وكسر المحرمات الايديولوجية بعد ان كانت تقوم في السابق بناء على القاعدة الشرعية والفقهية التي تقول "الضرورات تبيح المحظورات"، الامر الذي يرفع احتمال التوصل الى نقاط مشتركة، ويساعد في التوصل الى تفاهم جدي حول النشاط النووي يؤسس لعلاقة متوازنة بين الطرفين في المستقبل. 

ما بين حنكة اوباما في دفع ايران للدخول في المسار التفاوضي، واستعراضية ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو في رفع مستوى التحدي للنظام الايراني بشروط عالية السقوف من دون تقديم اي تعويض، دفعت النظام وقيادته للانسحاب والتمترس خلف جدران انعدام الثقة والتمسك بالتشكيك بالنوايا الامريكية التي لا تقف عند حدود المعلن، بل تمتد الى تهديد اساس النظام واستقراره واستمراره داخليا وامتداداته اقليميا. 

استعراضية ترمب لم تنجح ايضا في سياسة الرسائل االتي اعتمدها مع القيادة الايرانية، ولعل الكلام الذي سمعه رئيس الوزراء الياباني خلال زيارته لطهران بمهمة امريكية وحمل فيها رسالة ترامب الى المرشد، شكل نقطة فاصلة في موقف طهران من هذه العراضة الترمبية، عندما رفض خامنئي استلام الرسالة انطلاقا من عدم وجود مسائل ذات اهتمام مشترك بين ايران والادارة الامريكية، والمُرسل ليس بذي شأن يدفعه لتلقي رسالته واستلامها، ناهيك عن قراءتها والرد عليها. وكذلك فعل خامنئي في كبح رغبة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لترتيب لقاء بين روحاني وترامب على هامش قمة اوساكا، وكبح ايضا اندفاعة وزير الخارجية محمد جواد ظريف لاحداث خرق في جدار التوتر مع واشنطن بجهود فرنسية ايضا على هامش قمة السبع التي عقدت في مدينة بياريتس الفرنسية. 

امساك المرشد بمفاتيح القرار على رأس النظام والسلطة، خاصة ما يتعلق بالملفات ذات التأثير الجيوسياسي والجيو استراتيجي ومنها البرنامج النووي والتفاوض مع جهة خارجية دولية او اقليمية، واصرار روحاني وفريقه على دفع الامور لإحداث خرق في الموقف المتشدد للمرشد، انتهت الى تعطيل وشل السلطة التنفيذية ودور روحاني وفريقه في قيادة عملية التفاوض وما يمكن ان ينتج عنها من آليات تخرج ايران من الازمات التي تعانيها جراء مضاعفات العقوبات الامريكية والتي تحولت الى دولية غير معلنة. وجعلت هذه السلطة عرضة للهجوم والمحاصرة من جميع اركان النظام والمعسكر المحافظ، الى الحد الذي أُزيحت عن الواجهة وغُيب دورها في معالجة الازمات التي شهدتها ايران من سيول وفيضانات وكورونا لصالح مؤسسة حرس الثورة العسكرية التي ظهرت وكأنها الجهة التي تتحمل عبء سد الفراغ الناتج عن غياب المعالجات الحكومية الجدية، فضلا عن إتهامها (للحكومة) بالتركيز فقط على موضوع التفاوض مع واشنطن كخشبة خلاص لايران ونجاة النظام. 

الليونة "الحسنية" ( نسبة الى صلح الامام الثاني لدى الشيعة الحسن بن علي بن ابي طالب مع معاوية بن ابي سفيان) التي ظهرت في مواقف المرشد في الاسبوع الفائت، ان كان في موضوع تمديد او اعادة النظر في النقاشات حول معاهدة FATF المتعلقة بمكافحة تمويل الارهاب وغسيل الاموال، او في الموقف الذي أعلنه عن امكانية الذهاب الى خيار التفاوض بهدف إلغاء العقوبات شرط التركيز على جهود ابطال مفاعيلها داخليا، تعتبر نقلة نوعية في مواقف المرشد المتشددة في هاتين المسألتين، خصوصا وان تعطيل اقرار بنود المعاهدة المالية لإخراج ايران عن اللوائح السوداء للتعامل المالي و إقرار البرلمان لقانون "الخطوة الاستراتيجية لإلغاء العقوبات" لم تكن لتحصل من دون موافقته، وهما مسألتان ضربتا مصداقية موقع روحاني على الصعيد الدولي واظهرته وكأنه يغرد خارج سرب النظام. الامر الذي يدفع الى الاعتقاد بان هذا التحول لدى المرشد لم يأت نتيجة الواقع الاقتصادي الذي يقف على حافة الانهيار، من دون التقليل من اهمية هذا العامل في خلفية هذا التغيير، بل يأتي من المتغير الحاصل في الادارة الامريكية ووصول الرئيس الجديد جو بايدن الى البيت الابيض، وما يدور من حديث عن مفاوضات خلف الكواليس جرت مع فريق بايدن لادارة الملفات الخارجية. وبالتالي فانه اوصل رسالة واضحة لكل الاطراف الداخلية بان التلهي بالصراعات والنزاعات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية لا يصب في مصلحة النظام والحري بهم الحوار بين بعضهم لحل الخلافات في وقت يسعون للحوار مع الخارج، لان القرار في الحوار مع الخارج لا يدخل في دائرة صلاحياتهما او صلاحية اي جهة اخرى في النظام، وهي فقط من اختصاص المرشد الذي لم يتردد في التأكيد لهم بأن "الامر لي".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها