آخر تحديث:06:23(بيروت)
الأربعاء 16/12/2020
share

ريجيني الذي "قتلوه كما لو كان مصرياً"

شادي لويس | الأربعاء 16/12/2020
شارك المقال :
ريجيني الذي "قتلوه كما لو كان مصرياً" من التظاهرات الإيطالية للمطالبة بالعدالة في قضية جوليو ريجيني (غيتي)

في واقعتين في سفر "الأعمال" من العهد الجديد، يلجأ الرسول بولس، إلى التلويح بجنسيته الرومانية، في مدينة فيلبي أولاً، ثم في أورشليم، وفي المرتين يلقى القبض على التلميذ الثالث عشر للمسيح، ويتعرض للضرب على أيدي السلطات باعتباره عبرانياً، وحين يجاهر مستنكراً، "أيجوز لكم أن تجلدوا إنساناً رومانياً غير مقضي عليه؟"، يجزع الأمير وممثلو السلطة من ضربهم مواطناً رومانياً بلا محاكمة بل وحتى من مجرد تقييده.

كان بولس، اليهودي الطرسوسي، رومانياً بالميلاد، وعلى الأرجح ورث مواطنته الامبراطورية من والد ثري اشترى حقوقها، وتمتع بفضل ذلك الميراث بالامتياز القانوني، الذي لا يوفر لصاحبه حصانة من العقاب، بل يضمن خضوعه لسيادة العدالة. أي لا عقوبة بلا محاكمة، ولا محاكمة من دون مواجهة مع الخصوم وسماع الشهود واللجوء لقضاة محايدين. تسرد الفصول الأخيرة من سفر "الأعمال" تفاصيل محاكمة بولس والحكم عليه بالموت، واستخدامه حقه الروماني للمرة الأخيرة، حين رفع دعواه إلى قيصر نفسه. فالمواطن الروماني المحكوم بالموت، كان له ذلك الحق الاستثنائي باستئناف المحاكمة أمام الإمبراطور شخصياً، كضمانة أخيرة للعدالة في مسألة حياة الفرد الروماني.

سيمثل بولس بالفعل أمام القيصر في روما، وسينفذ فيه الحكم في النهاية، لكن رسالته ستصبح ديانة الإمبراطورية ذاتها، والنظام القانوني الذي خضع له ستتوارثه كل الامبراطوريات اللاحقة، بشكل أو بآخر، وبنسب متفاوتة. من الراج الهندي، إلى الجزائر الفرنسية، مروراً بالمحاكم المختلطة وقوانين الامتيازات الأوروبية في الأراضي العثمانية، تتوازى بشكل منفصل أو متراكب ممارسات ومؤسسات متعددة للقانون، ترتبط بمنظومة هرمية لدرجات وأنواع متفاوتة من المواطنة. ويتمتع حاملو جنسية المتروبول بالحد الأقصى من الحقوق، ليس في المركز وحده، بل في الأطراف أيضاً، تلك الحقوق التي يمكن شراؤها أحياناً كانت تؤكد بشكل ضمني خضوع بقية سكان الامبراطورية، أي الغالبية الساحقة، للممارسات الاعتباطية لعنف سلطة. هكذا، فإن امتيازات مواطنة الميتروبول لم تكن أداة لفرض عدالة جزئية ومحددة، بل الاستثناء الذي يثبت عكسه ويرسخه.

في العام 1937، أصدرت الحكومة المصرية قراراً بإلغاء الامتيازات الأوروبية في مصر، وحُلَّت المحاكم المختلطة فقط في العام 1949 . وبشكل نظري، تحولت دول ما بعد الاستقلال في الجنوب، إلى نظام القانون الواحد والمحكمة الواحدة، حيث يخضع الجميع، مواطنين وأجانب، للإجراءات والمؤسسات القضائية المحلية نفسها، مع منح المواطنين امتيازات إضافية في ما يخص الأنشطة الاقتصادية وحقوق التملك والإقامة والتنقل والرسوم في بلدهم. لكن تفكك الامبراطوريات بصورتها التقليدية، لم يعنِ تحلل بنيتها التحتية وتقاليدها العميقة. فما كان يجري بحكم القانون المباشر في الماضي، ظل سارياً بحكم القواعد غير المكتوبة لتوازنات القوى الدولية. فجرى العرف بأن ينال حاملو الجنسيات الغربية معاملة تفضيلية من مؤسسات الأمن والعدالة في مصر، كما في غيرها من دول الجنوب التابعة. تقسيمة الشمال والجنوب تظل حاسمة في تحديد الحقوق القانونية للأفراد، بحسب جنسياتهم. في معظم الأحيان، أعفى ذلك الأجانب من دول غربية من التعذيب، والتلفيق والقتل العشوائي، وظروف الاحتجاز غير الإنسانية التي يتعرض لها المصريون عادة، أو مواطنو دول الجنوب الأفقر وذات النفوذ المحدود.

في روما، يعلن رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، بأن إجراءات المحاكمة في قضية اختفاء ومقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، ستكشف حقائق صادمة. يوجه القضاء الإيطالي اتهامات لأربعة من كبار الضباط المصريين: لواء من المخابرات العامة، والرئيس السابق لجهاز الأمن الوطني، وعقيد شرطة، وكذا الرئيس السابق لشرطة مرافق القاهرة. يبحث رئيس الحكومة الإيطالية عن الحقيقة، تحت ضغط من أسرة الضحية، وتضامن شعبي مع قضيته، لكن الحقيقة التي ينشدها تظل حقيقة إجرائية، في مجملها. فحين تم سؤاله عن إمكانية سحب السفير الإيطالي من القاهرة، أشار إلي أن الأولوية هي للمحاكمة.

السلطات المصرية رفضت التعاون، في البداية، قدمت جثث أربعة مواطنين مصريين تم قتلهم بيد الشرطة ككبش فداء. ولاحقاً، حين أصبح تورط الدولة في الجريمة على أعلى مستوى، جلياً، لم يعد تقديم الأضاحي ممكناً. تمسكت السلطات في القاهرة بموقف عدم التعاون، حتى اللحظة الأخيرة. المحاكمة الإيطالية غيابية بالطبع، وليس لدى الادعاء عناوين المتهمين حتى، ولا توجد اتفاقية لتسليم المطلوبين بين البلدين. القضية ستشكل إدانة معنوية للنظام المصري بلا شك، لكن هذا هو كل شيء.

الحكومة الإيطالية التي سحبت سفيرها من القاهرة في الماضي، ثم أعادته، غير معنية بأكثر من موقف رمزي قوي لإسكات الضغط الداخلي، لكن بلا خطوات دبلوماسية ولا قيود من أي نوع على التعاون بين البلدين، ولا حتى بشكل محدود في المجال الاقتصادي. المحاكمة مجرد ترحيل للأزمة، دفعها إلى الأمام، حتى تأتي حكومة أخرى، لتتعامل مع حكم لا يمكن ترجمته إلى عدالة بأي شكل من الأشكال. العلاقات التجارية القوية بين البلدين تمنع النخبة السياسية الهشة في روما من أي إجراء حقيقي، هناك عمليات تنقيب عن حقول الغاز الضخمة في حوض المتوسط، تقوم بها شركات إيطالية، وصفقات سلاح، آخرها فرقاطتان بقيمة مليار ونصف المليار دولار، تم توقيع عقدهما قبل شهور فقط.

ضغوط لوبيات الأعمال، في المجالين الأوسع نفوذاً، الطاقة والسلاح، لا تسمح بعرقلة تدفق رؤوس الأموال والسلع والتكنولوجيا العسكرية بين ضفتي المتوسط، ولا كسر عجلة دورانها المربحة بين الجنوب والشمال. عولمة أسواق الحدود المفتوحة، والشركات العابرة للقارات ورأس المال فوق الوطني، أي الامبراطورية المعاصرة غير المتمركزة جغرافياً، لا تعنيها كثيراً التقسيمات التقليدية لسيادة القانون وهرمية المواطنات. تلك العولمة تعني أيضاً تعميم العنف الاعتباطي للسلطة، أو على الأقل التسامح معه، لا في الأطراف أو الجنوب فقط، بل في المراكز أيضاً. الرسالة الأكيدة من المحاكمة الإيطالية، هو أن الجميع سواسية أمام عنف السلطة الاعتباطية لرأس المال وتحت الموت العشوائي لعولمتها، بشعار أطلقته والدة الضحية بوعي كامل لمضمونه: "قتلوه كما لو كان مصرياً".


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها