آخر تحديث:21:34(بيروت)
السبت 12/12/2020
share

الجرح الايراني والملح الاردوغاني

حسن فحص | السبت 12/12/2020
شارك المقال :

لا شك ان القيادات الايراني كانت تراقب عن كثب وقائع استقبال الابطال والمنتصرين الذي اقيم للرئيس التركي رجب طيب اردوغان في زيارته الى العاصمة الاذربايجانية باكو للاحتفال بالنصر العسكري على أرمينيا الذي حققته اذربايجان بمساعدة عسكرية من الجيش التركي والمقاتلين السوريين الموالين لانقرة الى جانب نظيره الاذربايجاني الهام علييف.

الحساسية الايرانية من هذه الزيارة والابعاد الجيوسياسية التي تحملها كانت مرتفعة الى حد التوتر، وواكبت كل التفاصيل المرافقة لهذه الزيارة، حتى لأدق التفاصيل في خطاب الرئيسين التركي والاذربايجاني، وتفجر هذا التوتر عندما استشهد اردوغان بأغنية شعبية آذرية تتحدث الالام التي تعانيها شعوب المنطقة الواقعة شمال نهر"آراس" في 17 ولاية، التي انسخلت عن ايران على مراحل بعد معاهدتي كلستان(1813) وتركمنتشاي (1828) مع روسيا القيصرية، وتقول الاغنية ما مضمونه "لقد فصلوا اراس وزرعوه بقضبان الحديد والحجارة/ انا لا انفصل عنك/ لقد فصلونا بالقوة". 

وعلى الرغم من محاولات تذكير الرئيس التركي بان الارض التي يتحدث عنها قد انفصلت عن ايران، الا ان التوقيت الذي جاءت فيه وبالتزامن مع الانقلاب الجيوسياسي الذي نتج عن حرب اقليم ناغورنو قره باغ وما اسفرت عنه من استعادة باكو لسيطرتها على هذا الاقليم، الامر الذي ايقظ الحساسيات وحتى المخاوف الايرانية من تداعيات هذا التحول الاستراتيجي على حدودها الشمالية والطريق التي تربطها بالقوقاز واسيا الوسطى وصولا الى الصين وروسيا. 

التحدي الذي اطلقه اردوغان في خطابه والاغنية الشعبية التي استشهد بها، كانت بمثابة الملح – التركي – الاردوغاني الذي نثره على الجرح الايراني وما فيه من تداعيات الذاكرة المرة في هذه المنطقة، وفتحت الباب امام التحذير من مخاطر الاحلام التي تدور في ذهن الرئيس التركي في تكريس "العثمانية الجديدة" من بوابة استقطاب الشعوب التركية والاذرية في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، خاصة وان اردوغان في خطابه حاول ايصال رسالة واضحة للجانب الايراني بان اذربايجان قد انفصلت عن الجسد التركي وهاهي تعود اليه مرة جديدة. 

ولعل اخطر ما يمكن ان يحمله كلام الرئيس التركي للجانب الايراني، هو الحديث عن الجهود التي يجب ان تبذل لاستعادة كل المناطق التي يعيش فيها الاتراك او الاذريون الى الحضن التركي، ما يعني ان اردوغان ومن اجل الوصول الى الاهداف التي يسعى وراءها في مختلف المناطق، ان كان في سوريا او ليبيا او شرق البحر الابيض المتوسط، والان في القوقاز واسيا الوسطى، قد لا يتورع عن القيام باي خطوة حتى داخل ايران من اجل تحقيق ذلك. والخطر في هذا التوجه نحو "التركية الجديدة الاردوغانية" هو استعداده لمد يد الى المناطق الاذرية داخل ايران وما فيه من اثارة للحساسيات القومية في محاولة لتحريك هذا المكون واعتباره الهدف التالي بعد اذربايجان للعودة الى الحضن التركي، وهذا بالنسبة لايران محاولة اردوغانية لاعادة احياء الصراع التاريخي العثماني الصفوي، وبالتالي استهداف لامنها القومي في هذا المفصل الدقيق من ازماتها المتعددة وما يعنيه ذلك من امكانية تفجر صراعات داخلية على خلفية قومية بين مكونات الشعب الايراني. 

هذه النقلة في مسيرة "الدكتاتور القومي" حسب توصيف بعض الاوساط الايرانية لأردوغان ، شكل صدمة لدى هذه الاوساط ودفعها لاعادة قراءة التطورات الحاصلة في علاقات ايران مع تركيا – اردوغان في العقدين الاخيرين، وما شهدته حرب اذربايجان – ارمينيا من تطورات أحدثت تغييرا جوهريا في الموقف الجيو سياسي والجيو اقتصادي لايران في منطقة القوقاز يجب ان ينظر له من منظار الطموحات التركية لتكريس دور جديد في اطار العثمانية الجديدة والتي تعتمد في الدرجة الاولى على محاصرة الدور الايراني في منطقة غرب آسيا وبناء الموقع التركي على حسابه او بالشراكة معه. 

هذه التطورات أربكت المشهد الايراني الساعي الى الحد والتقليل من حجم الخسائر والاستمرار في عملية الصبر الاستراتيجي في مواجهة الحصار الامريكي بانتظار حصول متغير ينقل المنطقة الى مرحلة من الحوار، الا انها كشفت للقيادة الايرانية ان الخطر الذي تشكله جيوسياسية الاقليات القومية، خاصة القومية التركية قد تشكل مصدر تهديد حقيقي للطموح الايراني في تكريس دور اقليمي في هذه المنطقة، والخطر يأتي هذه المرة من طموحات الرئيس التركي ليكون السلطان الجديد في الاقليم على حساب كل مؤلفاته حتى العربية، وليس من الجار التركي او الجوار الجغرافي الذي لا يمكن تغييره، بل يجب التعامل معه على أساس المصالح المشتركة وشروطها. وهذه الطموحات "الاردوغانية" تفرض على المسؤولين الايرانيين إعادة تقويم المواقف التي اتخذت حول ازمة قره باغ والانتقال من الحياد الايجابي لصالح أرمينيا الى التشدد في دعم الحقوق الاذربايجانية في استعادة اراضيها، خاصة تلك المواقف التي صدرت عن المرشد الاعلى وعن ائمة الجمعة في المحافظات الاربع التي تضم ابناء القومية الاذرية في ايران، باعتبار انها فتحت الطريق امام اردوغان للاحتفال بالنصر التاريخي الذي فتح له الطريق واسعاً للنفاذ الى منطقة القوقاز واسيا الوسطى واستنهاض العصبية القومية لبناء دور له على حساب المصالح الايرانية. 

واذا ما كان اردوغان في خطابه حول عودة مناطق انتشار القومية التركية الى الحضن التركي يحمل رسالة غير ايجابية لكل من روسيا والصين وامكانية ان تتحول مناطق القوقاز واسيا الوسطى الى ساحة مفتوحة لصراع نفوذ جديد، فإن اي تغيير جيوسياسي في هذه المنطقة سيسمح لطموحات اردوغان ان تصل الى حدود الصين والاقلية الايغورية، الامر الذي قد يفرض على هذه الدول مع ايران اعادة صياغة موقفها من تطورات هذه المنطقة والتوقف عند الدور والطموح التركي المستجد الذي يبحث عن ساحة جديدة لترميم هذه الطموحات التي تتعرض لانتكاسات في سوريا وليبيا وشرق المتوسط وتضعه في مواجهة سيف العقوبات الاقتصادية التي بدأت تطل برأسها بوضوح، فضلا عن امكانية ان يواجه سياسة ايرانية عراقية جديدة في مواجهة طموحاته الكردية والموصلية. 




شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها